ابو البركات

396

الكتاب المعتبر في الحكمة

بذاك مع موافقة الوجود . والكذب هو الحكم بذلك مع مخالفة الوجود والتكذيب هو الحكم بمخالفة الوجود لذلك الحكم وكلا الحكمين من التصديق والتكذيب فيما به صدق وكذب فيما له وعليه حكم يسمى علما ، فكل علم وحكم وتصديق أو تكذيب يكون مع معرفة وتصور ولا ينعكس ففي العلم والمعرفة تصور وادراك ، والادراك على ضربين وذاك ان منه ادراك العين الموجودة على ما هي عليه في الوجود من المكان وقربها من المدرك وبعدها عنه وما يجاورها ويباينها ويحاذيها ويعلو أو يستفل عنها كما تدرك الأشياء بالعين حيث هي وبهذه الأوصاف ، وإذا غمضنا العين لم ندرك ذلك كذلك وإذا حضر مع الانسان غيره حيث هو شاركه في ادراك المدرك الذي من هذا القبيل لا محالة ما لم يكن مانع يخص الثاني دون الأول كتعصيب عينه أو التفاته إلى غير جهة المدرك واشتغاله عنه بشغل يأخذه عن الشعور بما يدركه ، ومنه ادراك صورة ذهنية يتحقق المدرك انها غير مختصة بمكان ولا قارة في موضع كمن يتصور صورة شخص ميت أو غائب عنه بعيد عن موضع نيله وادراكه ويتحقق انه لم يدركه على الوجه الذي أدرك الأول ولا يشاركه جاره القادر على ادراك الحاضر كقدرته في ادراكه فيتحقق انه لا يجاور جسمه ولا يحاذى عينه ولا عين جاره الحاضر معه - وفي هذا هو النظر في هذا الفصل خاصة فان كل ذاك قد قيل فيه فيما سلف بقدر الكفاية واما هذا فقد قيل فيه انه لا يمكن ان يكون محل هذه الصورة الذهنية الملحوظة المحفوظة جسم الانسان المتصور الحافظ باسره يضيق عن صفير الصور الملحوظة بالذهن فكيف عن كبيرها فكيف ان يكون المحل لها جزءا صغيرا من البدن هو جزء من الدماغ والروح الذي فيه . وليس لقائل ان يقول إنه يتصور فيها صغيرا بحسبها فلو بلغ صغره إلى اى حد كان لقد كانت الكثرة تبلغه إلى ما لا يحويه الجسم ولا البلدة التي فيها ذلك الانسان ولو كانت صورة كل شخص مما يحفظ من صور الناس وغيرهم من الحيوان وباقي الأجسام المشكلة المصورة بقدر الخردلة صغرا ، فكيف وما من ذلك