ابو البركات
385
الكتاب المعتبر في الحكمة
افعال النفوس إلى اختلاف الأبدان وأحوالها فيما رأوا فيه اتفاق النفوس بحسب الرأي والمثل لا بحسب النظر التام الذي يوفى الاعتبار والقول بحسبه حقه . قال بعضهم ان نفس الأسد اعدّ لها من المزاج الأصلح ومن شكل البدن الأوفق ولم يكن ذلك هو الأصلح والأوفق لنفس الانسان ولا لنفس غيره من أنواع الحيوان فقال ان الصقلبى من الناس لو صار مزاجه كمزاج الهندي والحبشي لمرض أو مات فان لكل شخص مزاجا يخصه يصح به ويمرض بخروجه عنه إلى حدى زيادة ونقصان فإذا تعداهما مات فوافق قوله في أصناف الناس قوله في أنواع الحيوانات الأخرى التي نراها مختلفة النفوس بالطباع والماهية وهو يرى اتفاق النفوس في الحقيقة النوعية فتناقض بذلك رأيه . ونحن نعلم أن من اشخاص الناس من هو أبرد مزاجا من آخر ومنهم من هو أحر مزاجا وإذا خرج كل واحد منهما عن مزاجه الذي يصح به إلى حد في الزيادة والنقصان ينتهى إلى حد مزاج الآخر الذي يصح به الآخر يمرض أو يموت ولو كان زيادة أحدهما على الآخر في القوة والصحة بمزاج مخصوص لكان الآخر المقصر فيهما إذا انحرف مزاجه إلى جهة مزاجه يزداد قوة وصحة حتى إذا بلغه ساواه فيهما فكيف ولا يؤثر ذلك عنده صلاحا بل يؤثر ضررا من مرض أو موت فلم وافق هذا المزاج هذا ولم يوفق ذلك ، ثم انك تعلم أن الانسان يتغير مزاج بدنه من جهة اخلاق « 1 » النفس حيث يغضب فيسخن مزاجه ويغتم فيجف ويهزل ويفرح فيرطب ويخصب ولم تكن الحرارة في مزاجه أو جبت في نفسه الغضب بل حالة الغضب التي طرأت على نفسه أو جبت حر مزاجه وان كان العكس قد يعد لذلك ويؤثر في اخلاق النفس لكن الغضب يسخن البدن وليس بحار والفرح يرطبه وليس بر طب وانما النفس لما انصرفت باخلاقها وحالاتها نحو فعل من افعالها هيأت البدن بهيئة موافقة لصدوره فلزمت أحوال البدن عن أحوال النفس وفعلت النفس في البدن وغيرته بحسب الأوفق لها فيدل هذا وأمثاله على أن النفوس المختلفة الجواهر والطباع مختلفة
--> ( 1 ) صف - اختلاف .