ابو البركات
36
الكتاب المعتبر في الحكمة
يناسب الجسم بجسميته جسما يطلبه ويباين بها جسما يتركه فلا يخلو أن تكون المناسبة والمباينة لذاتي الجسمين وذلك محال لان المناسب والمباين واحد في الحقيقة فيكون المناسب هو بعينه المباين للشئ الواحد بعينه هذا محال أو تكون المباينة التي لأجلها ترك والمناسبة التي لأجلها طلب بحالتين في الجسمين فيكون الجسم بجسميته تحرك إلى جسم تلك حاله فيستحق ذلك الجسم الذي اليه الحركة ان يتحرك اليه كل جسم وليس في الوجود جسم يتحرك اليه سائر الأجسام وكذلك ان ترك بمقتضى جسميته جسما بحالة ما فيكون ذلك الجسم حقيقا بان يهرب منه ويتحرك عنه سائر الأجسام وليس في الوجود ما هو كذلك بل قد يترك الجسم الواحد جسما كان يتحرك اليه ويطلب بحركته جسما كان تركه بل ويكون ذلك الجسم أولى بالهرب عن حاله تلك بمقتضى جسميته التي اقتضت الحركة عنه والهرب منه في غيره من الأجسام فالجسم لا يقتضى لذاته مماسة جسم زال عنها ولا مماسة جسم زال إليها ولا يقتضى نفس الزوال الذي هو عدم ولا علل للاعدام من حيث هي اعدام وانما علل الاعدام اعدام العلل على ما تبين في غير هذا الموضع فإذا لم يقتض بذاته المماسة المتروكة ولا المماسة المطلوبة ولا الزوال وذلك هو مجموع مفهوم الحركة فمحال ان يقتضى بذاته المجموع الذي هو الحركة فان المماسة المتروكة والمماسة المطلوبة يستحيل اجتماعهما له فكيف يقتضيهما لذاته فلا يقتضى الجسم لذاته حركة فالحركة له عن غيره وذلك الغير هو المحرك فالمحرك لكل متحرك هو غير المتحرك وذلك ما أردنا بيانه . وأيضا فان الجسم المتحرك لو وجب عنه لذاته حركة لقد كانت الأجسام كلها متساوية في اقتضاء الحركات ( على سنن واحد « 1 » ) فلم يكن جسم يتحرك دائما وآخر يتحرك وقتا ما وجسم يتحرك سريعا وآخر يتحرك بطيئا وآخر مستديرا وآخر مستقيما وآخر إلى جهة وآخر عنها والوجود يشهد بخلاف ذلك فالحركات للأجسام المتحركة ليست لمقتضى دواتها المتماثلة فإذا هي لكل جسم عن غيره لا محالة وتعلم من هذا إذا علمت أن المتحرك جسم ان المحرك غير جسم لا محالة .
--> ( 1 ) ليس في صف .