ابو البركات
377
الكتاب المعتبر في الحكمة
ولا بينوها بحجة حتى يحتجون بها . واما كونها في المفارقة واحدة بقيت على وحدتها في اتصالها بالأبدان حتى يكون للأبدان الكثيرة نفس واحدة فما أبطلوه وعلى أنه باطل ولا ذكروه في القسمة والاحتجاج . واما كونها كثيرة قبل الأبدان فمنعوه بأنها واحدة النوع والحقيقة ولو صح ذلك لصح به ابطال هذا القسم لكنه لا يصح على ما نذكر فهذه هي الاقسام وما قيل فيها لا يثبت ما أرادوه . وقالوا بعد هذا في ابطال التناسخ قولا لا يدخل في مذهب البرهان وهو أن التناسخ لو كان حقا لوجب ان يقترن موت كل شخص بحدوث شخص آخر . وما ذاك بلازم لان قائله يقول بلزومه لصحة ما يلزمه فإذ لم نجد في هذه الحجج وهي اصلح ما نقل عن القدماء مما عرفناه ما يعول عليه في القول بقدم النفوس أو حدوثها واختلافها في ذلك اعني في ان منها قديما ومنها حادثا فنطلب من طريق البحث والنظر الحكمي ما يعول عليه في أحدهما . الفصل الثامن عشر في بيان حدوث النفوس وابطال قدمها وتناسخها إذا اعتبرنا ما نعرفه من النفوس الانسانية وجدناها في تعلقها بالأبدان التي نجدها متعلقة بها كما قال المحتجون أولا مبتدئة من نقص متوجهة إلى كمال ومن عجز إلى قوة ومن جهل إلى معرفة مستعينة في ذلك بآلات البدن ولا نجدها ولا أحدها في ابتداء حالها على ما نجدها عليه في انتهائه بل ولا في وسطه فما من نفس وجدناها في ابتداء حدوث بدنها ذات معرفة أو علم حتى أن من فقد في جبلته آلة من آلات معارفه لم يجد لما يكتسب بها من معرفة اثرا عنده ولا سبيلا إلى ايصاله اليه بوجه من الوجوه . فلو كانت النفس الواحدة قبل تعلقها بهذا الشخص من اشخاص الأبدان موجودة لقد كانت تكون اما متعلقه ببدن غيره واما مفارقة للأبدان كلها . وبالجملة لقد كانت تكون اما فعالة متصرفة واما معطلة عن الفعل والانفعال وقد أوضح في العلوم الإلهية انه لا معطل في الطباع الوجودية فبقى أن تكون كانت فعالة متصرفة . وفعلها ذلك وتصرفها اما ادراك عقلي فقط واما تحريك جسماني