ابو البركات

369

الكتاب المعتبر في الحكمة

ومن الذين قالوا بانتقالها في الأبدان من غير بقاء على المفارقة من يرى أنها تستحفظ الصورة النوعية في الاشخاص فتنتقل من صورة انسان إلى صورة انسان ومنهم من يرى أنها تستبدل الصور فتنتقل من صورة انسان إلى صورة أخرى من صور الحيوان ، ومنهم من يرى أن هذا يدوم بالتكرار دور الانقضاء له ، ومنهم من يرى أن ذلك يكون إلى حد تنتهى فيه النفوس إلى غاية الكمال ثم لا تعود إلى الأبدان فتبتدئ النفس الواحدة من أضعف الصور وأخسها كصورة الدودة والذبابة فتتردد إلى الأقوى والأفضل حتى تنتهى إلى صورة الانسان فحينئذ ان سعدت بفعل ما يسعد ارتقت في كل دورة إلى مزاج أفضل وقوة أتم حتى تبلغ الكمال الا كمل وان شقيت بفعل ما يرديها عادت إلى العكس والقهقرى ثم تتردد ذلك « 1 » التكرار في تناسخ الادوار حتى تتفق لها السعادة في انسانيتها فتنقلها في مرة أو مرات إلى اجل حالاتها وأكمل كمالاتها فلا تعود حينئذ إلى التعلق بالأبدان فهذه آراء القائلين بالتناسخ من جملة القائلين بقدم النفوس . وقد تعصب فيها المجادلون والعلماء وأحسنوا الظن بشيء منها وأساءوا الظن بشيء ومالوا إلى شئ وعن شئ بايثار وكراهية تمحلوا لا جلهم الاحتجاج في نصرة كل منهم لما ذهب اليه فنعتبر ذلك كما فعلنا في غيره ونجتهد في تحصيل الحق على وجهه . اما القائلون بقدم النفس فلهم ان يحتجوا على ذلك بجوهريتها ومفارقتها للبدن بقوامها الذي تخالف فيه غيرها من القوى والصور التي هي اعراض تفسد وتبطل إذا فارقت موضوعاتها ويرون ان الكائن الفاسد من الموجودات انما هي الاعراض التي قوامها بالأجسام ويرجع حدوثها إلى الحركات المتجددة المتصرمة وما يحدث فيها بذلك من القرب والبعد والتجزي والانفصال والاتحاد والاتصال والاستحالة بالاضداد التي يفسد بعضها بعضا وما ليس قوامه بالأجسام وله وجود يستقل به دونها لا يدخل في الكون والفساد .

--> ( 1 ) سع - إلى التكرار -