ابو البركات
349
الكتاب المعتبر في الحكمة
لا تشاركها في افعالها وبهذا الالهام نراها انها إذا أرادت تحريك عضو من الأعضاء بادرت من غير توقف محسوس الزمان إلى مبادى حركاته من الأعصاب والعضل فحركتها وحركته بها وان « 1 » كانت خفية في نفسها مجهولة عندها بعلمها الارادى فيتوصل إلى معرفتها بالتشريح والاستدلال به في الافعال وتراها تبسط العضلة وتقبضها بقدر ما تريده من تحريك العضو من قوة وضعف وعنف ولطف يعسر تقديره في العلم والروية فكيف تظنها علمت ذلك وتعلمته ومن علمها ذلك . فان قلت إن النفس الانسانية التي هي ذات الواحد منا التي تشعر انها أرادت الحركة بالرؤية لا تعالى هذا الفعل الذي تجهله وتجهل أسبابه وانما تعانيه النفس الأخرى الحيوانية التي قال بها القدماء وهذه لو حركت لشعرت . قلنا انا لا نشك في ان الحركة بارادتنا وكما لا نشعر بمبادى التحريك وتقديره وتحديده لا نشعر بأنا أمرنا في ذلك ولا نهينا لنفس أخرى فان جاز ذلك ان يكون صدر عنا بغير علمنا اعني أمرنا للنفس الأخرى التي لا نعرفها الا بالعلم الذي تعلمناه من القدماء جاز أن يكون هذا الذي نعلمه لا محالة صدر عنا بغير علمنا ومعرفتنا بالعضل والأعصاب التي هي آلات فعلنا في تحريكنا ونستغني عن الحوالة على ما لا يضطرنا إلى القول به عقل ولا مشاهدة - انظر إلى الحيوانات في انبعاثها إلى افعالها النافعة في حياتها من تناول الغذاء واعمال الحيلة في طلبه واختياره كالطفل في بكائه لطلبه بغير تعليم ولا معلم بل إلى التوليد وطلب الذكر للأنثى على الشكل الموافق وحراسة الأولاد وحضان البيض وما يزقهم الآباء أولا من الهواء الذي يغذو الروح ويفتح الطرق ويوسع المنافذ ثم ما ينهضم في الحوصلة هضما ما علم الطير أبوه شيئا من هذا فإنك تجده فيمن تربى بغير أب ولا أم مما تربيه أنت وتقتطعه وهو صغير جدا ولو تفكر الانسان مليا لوجد تقطيع الغذاء بالثنايا وطحنه بالأضراس وازدراده وشرب الماء عليه عن حكمة تامة لم يعلمها فنعلم من أمثال هذا ان من افعال النفس بل من افعاله هو ما هو بروية ومعرفة
--> ( 1 ) سع - بها كانت .