ابو البركات

340

الكتاب المعتبر في الحكمة

ولو حصلت الاجزاء على هذا الحد من الصغر والتفرق لاستحالت طبيعتها وبطلت رائحتها وعادت إلى اجزاء عناصرها . فنكتفى بما قلنا إلى هاهنا في الادراكات الظاهرة الحسية وننتقل إلى الكلام في الادراكات الذهنية التي لا يظهر اختصاصها بآلة من الآلات الظاهرة من بدن الحيوان . الفصل العاشر في الادراكات الذهنية اما الذي نسبوه منها إلى الادراك المشترك وهو ما يشعر به الانسان من نفسه من تمثل صور المحسوسات في ذهنه حتى يلحظها بذهنه مع غيبة الاشخاص المحسوسة فيرى بذهنه وفي سره ما يراه بالعين وهو لا يراه بالعين ويسمع كما يسمع بالأذن وهو لا يسمع بالأذن وكذلك يشم ويذوق لا بالأنف واللسان ويلمس لا بآلات اللمس فمن ذلك ما يشتبه عليه بما يدركه بظاهر الحواس فيظنه ذلك وكذلك كمن يرى في المنام حين يرى ومنه ما لا يشتبه عليه ويعرف الفرق في ذلك من نفسه كمن يتخيل في اليقظة ويلحظ منه ما ليس بموجود البتة كمن مات وفارق الدنيا من الناس أو موجودا بعيدا عنا كمن هو أو ما هو في بلدة أخرى أو ما لم يوجد ولا يوجد البتة كجبل من ذهب وبحر من عسل أو غيرهما مما قد يرى في المنام من الغرائب والعجائب أو تتمثله في اليقظة الأذهان الذي من قبيله ركب المصورون من الصور ما رأوا على ما لم يروا والقول بان هذا يكون بانتقاش الأشباح والأمثال بالألوان والاشكال في البطنين المقدمين من بطون الدماغ بل في الروح الموجود فيهما فتدركه هذه القوة التي يسمونها حسا مشتركا - والعجب في قولهم بأنها واحدة ولم يجعلوها خمس قوى تدرك كل واحدة منها ما يرد من حاسة من الحواس وقد كانوا أكثروا القوى في الآلة الواحدة للمس وما منعهم عن ذلك وحدة لآلة فكيف منعتهم هاهنا وقد قالوا لا نستبعد أن تكون في الآلة الواحدة قوى كثيرة فان القوى اللامسة موجودة