ابو البركات

338

الكتاب المعتبر في الحكمة

الاحتجاج بقول يدعون فيه انه من الأقوال القياسية البرهانية سنذكره عند كلامنا في الادراكات الذهنية التي أوردوه فيها ونبين وجه فساده ونقول الآن في رد القول الذي هو حجة عليه ما نكتفي به . والقائلون بهذه القوى الكثيرة المدركة يقولون انها قوى جسمانية ويعنون بذلك ان قوامها بالبدن كالأعراض الأخرى التي لا يجوز قوامها دون ما هي فيه فإذا كانت هي التي تدرك وتنقل صور المدركات إلى ذواتها وذواتها في الأجسام فصور المدركات المذكورة تنتقل إلى محل القوى وهو جسم أيضا فتدركه النفس في القوة في الجسم فعرض العرض عرض في موضوع العرض لا محالة كالبياض في السطح والنور في البياض وما شئت من ذلك فإنه كله في الجسم فإذا أدركت النفس هذه الأحوال عند هذه القوى التي هي عرض في الجسم فقد أدركتها وما معها في الجسم فهلا كان ذلك الجسم هو الجسم الأول ونستغني عن هذا التمحل وكيف لا والواحد منا يعلم من ذاته يقينا انه يرى البعيد على بعده والقريب على قربه كل شئ في موضعه لا في داخل دماغه ولو رئى في داخل دماغه كما قلنا لرئى داخل دماغه فكيف يرى الانسان شيئا في موضع لا يراه أليس الدماغ ابيض اللون وأليس صورة البياض المنقولة اليه في الروح عند القوة مع هذا البياض في الموضوع فكيف ترى النفس هذا دون هذا وكيف صار هذا أحق بان يرى دون هذا . ما ارتفعت النفس بهذه القوى ان كانت جسمانية واعراض في الأجسام عن ادراك الأجسام واعراض الأجسام ولا استغنت بها عن ذاك وان كانت غير جسمانية فهلا كانت هي النفس التي تشعر انها أدركت لا محالة وتستغنى عن هذه الوسايط المتوسطة فيما لا وساطة فيه اعني المدرك وادراكه فليس المدرك بالادراك اللمسي الا المدرك بالادراك البصري والسمعي وهي النفس الانسانية ولا واسطة لها سوى الآلات المعينة من العضو والروح على امزجتها واشكالها . واما الذوق فإنه لمس مخصوص بآلة فعالة في اجزاء الملموس منفعلة عنها محيلة