ابو البركات
323
الكتاب المعتبر في الحكمة
فلا يبصر الانسان من ذلك ما لا يبصره من حضره وساواه في ابصاره وبصره وكذلك في سمعه وباقي حواسه والثاني يتفرد العارف به فيلحظ منه ما لا يشاركه فيه جليس من قريب أو بعيد أو فطن أو غبي ما لا يقصد اشعاره به واطلاعه عليه بالاخبار والاعلام باللفظ اللغوي والإشارات المقصودة ويعرف الأول بالادراك الحسى الظاهر والثاني بالادراك الذهني الباطن ، فاما انا ندرك المحسوسات الظاهرة فأمر لا خفاء به واما انا نعرف المتمثلات الذهنية وندركها فقد يشكل على من لا فطنة له ان يفهم فهمه ويتصور تصوره فانا نتفرد إلى هذه المعارف الذهنية مع تعطل الحواس الظاهرة كما يرى النائم في منامه والمتفكر في سره وذهنه ويلحظ منها ما هو غير حاضر عند الأبدان وآلاتها ولا تناله ظواهر الحواس كجبل من ذهب وشجرة من فضة وبحر من دم ونهر من عسل . واما معرفة كيفية الادراك والمعرفة فيهما فمن الأشياء الغامضة الخفية ولمن تقدم من أهل العلم والنظر فيها آراء مختلفة وأقاويل متناقضه - ونحن في نظرنا هذا نستقصى البحث في التخلص إلى ما يزول معه الشك من ذلك . فنقول ان لانسان إذا تأمل يسيرا علم أن الادراك كيف كان فهو حال إضافية للشئ المدرك أولا وبالذات إلى الشئ المدرك فان كل حال إضافية فإنما يتم وجودها بوجود كل واحد من الطرفين اللذين أحدهما بها مضاف إلى الآخر ولا يصح لها وجود من دونهما فلا يكون الادراك بوجه من الوجوه لشئ معدوم وان كان فهو على وجه يتناول منه القول مفهوما هو غير محصول العدم الحقيقي والذي أدى إلى القول بادراك المعدوم هو التقصير في نظر القائل وفهم السامع والا فنحن نعلم أن وجود كل واحد من المدرك والمدرك غير كاف في وجود الادراك وحصوله - ولو كفى لكانت النفس الانسانية التي من شأنها ذلك تدرك كل موجود من شأنها ادراكه ولا تخفى عليها خافية ولا تعزب عنها حال من أحوال الموجودات في الأرضين والسماوات في وقت من الأوقات والذي تجهله منها أكثر مما تلمه في أكثر أوقاتها بكثير فوجودها غير كاف في ادراك