ابو البركات

309

الكتاب المعتبر في الحكمة

فيكون ذلك منا فعلا اراديا أيضا لنستحضر به ما نريد التصرف فيه من هذه متى شئنا وننتقل منه إلى غيره وتسمى هذا الفعل تفكرا ومنها ادراك أشياء غير محسوسة موجودة في المحسوسات كالعداوة والصداقة والمحبة والبغضاء فإنها مما لم تنلها آلة من آلات الحس لا سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم ولا لمس وبها تحن الشاة على ولدها وتنفر من مفترسها وان لم تكن رأته قط مفتر سألها أو لغيرها ويسمى هذا الإدراك ادراكا وهميا . ومنها حفظ هذه المدركات الوهمية وتذكرها وقد قيل إن الفعل الفكري بالروح الذي في البطن الأوسط من الدماغ ويشاركه فيه الوهمي وان الحفظ والتذكر آلته الروح الذي في البطن المؤخر من الدماغ . ومنها الحكم في المعاني بالصدق والكذب والامكان والوجوب وتصور الكليات المنسوبة إلى كثيرين والقول بالأشياء التي لم تنلها الحواس ولم يتعلق وجودها بما تناله الحواس والحكم بمقتضى هذه المعاني في الافعال التدبيرية والسياسية الواجب فعلها وتقديرها بحسب الحاجات والدواعي الجزئية وبذلك تتم الصناعات المؤدية إلى معان واعراض حكمية أو تصورية ومجموع هذه الأفعال يسمى افعالا عقلية علمية وعملية ولنا ان نكثر هذه الأفعال إلى حد ينيف على هذا في التصنيف وان نختصره ونحصره فيما هو أقل عددا من هذه الأصناف لكنا أوردناه كما أورد حتى يعتبر ما قيل فيه بنسبته إلى النفس وقواها فقدر تبت على تصنيف وتعديد لم يحتج عليه بحجة صريحة ولا مضمرة مما يعتمد عليه ويرد الاحتجاج البرهاني اليه وذلك انهم عددوها على التصنيف المذكور وقالوا إن لكل صنف منها مبدأ يخصه وقوة هي فاعلته واحتجوا على بعضها في الخصوص بحجج هي هذه قالوا إن التغذية على سبيل الجملة تتولاها قوة يسمونها القوة الغاذية والافعال التي تتم التغذية بها من الجذب والامساك للمجذوب وتغيره ودفع فضلته تتولى كل واحد منها قوة حتى تكون جاذبة وماسكة ومغيرة ودافعة وهذه الأربعة خادمة لتلك الأولى وان النمو يكون بقوة غير هذه الخمس تبطل عند انتهاء