ابو البركات

252

الكتاب المعتبر في الحكمة

بعد ما يستصفى منه ما عساه يبقى مما يصلح ان يكون غذاء للكليتين والمثانة وما يجرى فيه اليهما ومنهما فاحتيج إلى المعاء أيضا كما احتيج إلى الكبد وإلى الكليتين والمثانة كما احتيج إلى الماء والمعاء انما يرد إليها الغذاء من المعدة كما يرد الماء إلى النهر من العين وهي الوعاء الأول الذي يملأه الحيوان برعيه حيث يجد الغذاء ثم هي التي تمد المعاء أولا أولا من ذلك الذي يمتازه الحيوان في رعيه حتى يفنى فيعود الحيوان يسعى إلى المرعى لطلب الغذاء ولما كانت هذه الأعضاء المذكورة أوعية وآلات للروح والدم وما دونهما وهذه حارة رطبة وجب ان يكون جواهر الأعضاء الحاوية لها مناسبة لجواهرها ومشابهة لها في كيفيتها لأن الضدين إذا تجاورا تفاسدا فجعلت هذه الأعضاء لحمية غشائية حارة رطبة لينة وما هذه حاله فهو ضعيف معرض للفساد والأذى بالقطع والحرق مما يلقاه من الأجسام القوية الصلبة الجوهر فاحتاج إلى جنة ووقاية تقيه مما يلاقيه فاودع جميعه وعاء كالخزانة والصندوق مؤلفا من اجزاء صلبة كالخشب وهي العظام وكسيت لحما يقيها الكسر بلينه كما لبس الصندوق جلدا ومسحا وبطنت من داخل باغشية لينة كما يبطن الصندوق بالخرق وقاية لما تحويه من اذيتها وخللت بجلد حساس بالموافق ملتذ به وبالمؤذى متألم منه للشعور بهما ليطلب الموافق اللذيذ ولينتفع بموافقته ولذته ويهرب من المؤذى المباين ليتخلص من اذيته وجعل له بعد ذلك آلات بها يتحرك إلى ذلك الطلب والهرب وهي الرجلان في الانسان والأربع في ذوات الأربع ولان أغذية الانسان ونافعاته لا تكون معدة له كالحشيش للراعى الذي لا يحتاج في تناوله إلى غير الفم بالرعي بل يحتاج إلى أن يتخذها ويستعدها من النبات والحيوان فخلقت له اليدان لمعاناة ما يعانيه من ايجاد الأغذية وما ينفع فيها من الآلات كالحرث والبذر والحصاد والطحن والطبخ وما ينفع فيه من الآلات الصناعية كسكه الحرث ومنجل الحصاد ورحا الطحن وقصعة العجن وتنور الخبز وقدر الطبخ وما أشبهها وجعل له منهما وبهما سلاح يدفع به المؤذى وينازع به ويخاصم من يؤذيه ويزاحمه على النافع