ابو البركات

20

الكتاب المعتبر في الحكمة

البخت هو الذي ينال الخير الذي لم يسع لطلبه كمن حفر بئرا فوجد كنزا أو سعى في طريقه لغرض ما فصادفت حبيبا فإنه ينتسب إلى البخت والاتفاق من حيث إنه لم يسع لأحدهما اعني لم يكن أحدهما غاية سعيه ومطلوبه منه وانما صادفه مصادفة اتفاقية ولو كان كل من حفر بئرا وجد كنزا وكل من سعى لغرض لقى حبيبا لما قيل في ذلك أنه بخت أو اتفاق ولكان الساعي يسعى للقاء الحبيب لا لغيره وحافر البئر يحفرها للكنز لا لاستخراج الماء فكان يكون طالبا قاصدا لذلك أولا وبالذات والبخت والاتفاق في تعارف الناس ما لم يسع له الساعي فصادفه من الخير في حسن البخت ومن الشر في سوء البخت وإذا تأملت وجود الدفين وجدت له سببا بالذات وهو الحفر اليه والحفر عن فاعل فعله بالذات هو الحفار ونيل الكنز عن الحفر اليه ليس بالذات وانما هو بالعرض من جهة كونه طالب الماء في حفره لا طالب الكنز كما كان بناء البيت عن البناء بالذات وعن الأبيض والأسود بالعرض فكل مسبب في الوجود فهو عن هذه المبادى وله وجود عنها بالذات وان كان قد يكون عنها بالعرض وقد تبين هذا في الفاعل بمثل البناء والأبيض والأسود وفي الغاية بلا حق الكنز ومصادف الحبيب وكذلك إذا تأملت ما يقال إنه من تلقاء النفس الذي يظن أنه لا غاية له فإنك تجده عن فاعل بالذات والغاية الا انها غير معلومة عند الفاعل وليس من شرط كل فاعل ان يشعر بفعله فكيف بغاية فعله كالنار في احراقها وكذلك العابث انما يعبث لداعى حاجة أو عادة والعادة مطلوبة محبوبة كالطبع والغاية في ذلك هو الحاجة كمن يحك جسده لجلى أوساخه وتفتح مسامه والعادة لذيذة محبوبة وغاية مطلوبة فتأمل ذلك تجده لازما لرأى الموافق والمخالف في الطبيعيات اعني ان الأسباب والمبادى هي هذه لا غيرها فان الذين قالوا إن مبادى الأشياء هي الاجزاء التي لا تتجزى ولا نهاية لها مبثوثة في خلاء لا نهاية له وبحركاتها ومصادفاتها « 1 » واجتماعاتها وافتراقاتها تكون أنواع الكائنات فالاجزاء والخلاء في رأيتهم ترجع إلى الهيولى والحركات ولا شكال الحاصلة إلى الصورة

--> ( 1 ) صف - مصادماتها .