ابو البركات

176

الكتاب المعتبر في الحكمة

وينطفئ ان الماء يسخن بالنار لان اجزاء من النار كانت كامنة في عمقه فظهرت بورود ما يجانسها وهو النار عليها وانفصال اجزاء من الماء عنها فإذا غلبت تلك الأجزاء بحرها على برده رئى سخينا وإذا لم تغلب بل غلب برده على ما فيه منها رئى باردا وإذا فارقت ظاهرة عائدة إلى الكمون عاد إلى برده أيضا فما استحال وانما اختلطت فيه اجزاء حارة برزت ظاهرة على اجزائه بعد كمونها أوردت عليه من النار أو كليهما فرئي كذلك . قالوا لان اجزاء كل شئ في اجزاء كل شئ وان اجزاء الأشياء كلها مثل الذهب والفضة وغيرهما في كل شئ ولا يخلو شئ عن شئ بكثرة وقلة واجزاء الأشياء كلها قديمة الوجود تجتمع وتظهر فيظن كون واستحالة وتفرق وتكمن فيخفى فيظن بذلك فساد والحس يدرك الشئ بأغلبه وظاهره فإذا عاد الغالب منه مغلوبا بافتراق اجزاء واجتماع أخرى وكمون اجزاء وظهور أخرى ظن الذي يشاهده بحسه ان ذلك لاستحالة فيه والاستحالة محال وكذلك في الكون . وقالوا ما اشتعل الدهن ولا الحطب نارا بل النار الواردة عليه من خارج أبرزت نارا كامنة فيه من داخل وفرقت ما ينافيها من اجزاء أخرى كما أظهرت ما يجانسها فغلبت الاجزاء النارية على ظاهرها لبروزها وكثرتها على الاجزاء الأخرى لقلتها وكمونها لان النار عندهم تجتذب الاجزاء النارية التي في المشتعل من عمقه إلى ظاهره فيرى مشتعلا كالجمرة ثم تنفصل عنه تلك الأجزاء أو تكمن فتعود فحمة وما فسد ولا تكون ولا استحال جزء إلى طبيعة غيره . فهذا مذهب في ابطال « 1 » الاستحالة والكون يصلح ان ينظر فيه ويجاب عنه . ومذهب آخر لقوم قالوا بالكون ولم يقولوا بالاستحالة فإنهم قالوا إن التغير الحادث في الأشياء المستحيلة يكون لا في زمان وانما الزمان لأكوان تتالى وتتصل في شئ بعد شئ وان الماء الذي يسخن لا يحصل في كله بعض السخونة في بعض الزمان ( كما يحصل كل السخونة في كله في كل الزمان - « 2 » ) بل يحصل كل السخونة في جزء جزء منه في غير زمان وفي اجزاء كثيرة منه في

--> ( 1 ) سع - انظار ( 2 ) من سع .