ابو البركات

163

الكتاب المعتبر في الحكمة

تمكن ذلك الضد من الفعل فيها لقوته في حيزه وضعفها بغربتها وكثرته وقلتها فيبرد حارها كالهواء ويسخن باردها كالأرض والماء وقد عرفت ان الأرض هي الاكثف والابرد والنار الاحر والالطف والماء يلي الأرض كثافة وبردا والهواء يلي النار لطافة وحرا وان السماوات غير مكيفة بهذه الكيفيات المتضادة فما هي حارة ولا باردة وان من خاصية الأنوار كشعاع الشمس ان تؤثر في الأرض والماء الكثيفين حرارة باشراقها عليهما فإذا سخنا بحر الشمس عكسا السخونة على ما يليهما من الهواء فصار حارا خصوصا أدناه وبقي ما فوق ذلك السخين أبرد منه وهو الذي يلي قلل الجبال الشامخة والذي منه في الاغوار يخالطه البخار الحار والدخان والغبار ويبقى ما فوقه مما لم يسخن بذلك باردا بالقياس إلى الأرض والماء المتسخن بشعاع الشمس وباختلاف شروق الشمس وغروبها في الأوقات بطول النهار وبقصر الليل فيشتد الحر ويضعف البرد في الصيف وفي البلاد الطويلة النهار وينعكس الامر في الشتاء والبلاد القصيرة النهار فيستولى البرد على الأرض والماء من طبعهما فتجمد المياه وتنعقد الأبخرة في الجو وتهبط منه مطرا وثلجا وتكمن الحرارة الشمسية في البواطن الغائرة من الأرض فتمتزج « 1 » الأبخرة في أغوارها ثم يبتدئ طول النهار فتقوى الحرارة فيبرز من ذلك الامتزاج أنواع النبات ويعتدل الهواء في الحر والبرد فيربيه ويربى أجسام الحيوانات وبذوب الثلج فيمد الأودية والأنهار فالاستحالة تتردد في هذه العناصر فتسخن البارد كالأرض والماء وتذيب الثلج ماء وتبرد الحار من الهواء وتجمد السائل من الماء وتطفئ النار وتفسدها وتلهب الهواء نارا فان النار لا لبرد وهي نار بل تنطفى كما لا يحمى الثلج وهو ثلج جامد بل يذوب فالاستحالة في الحر والبرد في العناصر الثلاث دون النار فإنها تكون وتفسد ولا تسخن وتبرد والأرض تسخن وتبرد ولا تلطف وترق والماء والهواء يبرد ان وبسخنان والماء يكثف ويجمد ويرق ويلطف فعلى هذا الوجه يعرف التغير والاستحالة والكون والفساد في عالم الاضداد .

--> ( 1 ) سع - فتموج .