ابو البركات
158
الكتاب المعتبر في الحكمة
الهواء من حيث هما كذلك ولو كان ذلك لاستمر الحاصل منه ابدا على سنن واحد وليس كذلك فان الرياح تهب تارة فتحرك الماء والتراب ثم تسكن والنار تتسلط على كل منها بقربها منه فتسخنه وتحركه ثم تبعد عنه فيبرد وتسكن فالسبب الأول غيرهما وطار عليهما اما النار فمن مثل فعل الانسان حيث يقدحها بالزناد ويستخرجها ويربيها بالآلات الصناعية فتشتعل منها الأجسام المستعدة للاشتعال بها ثم يقربها من الماء فتسخنه وتبخره . واما الهواء فمحرك ارضى كالحيوان والناس وبأسباب سماوية تطرأ عليه من حركات الاشخاص السماوية التي تقرب في أفلاكها بعد بعد وتبعد بعد قرب ويجتمع بعضها إلى بعض بعد افتراق ويفترق بعد اجتماع فيؤثر في الأجسام العنصرية خصوصا في الأرض والماء منها حرا بعد برد وبردا بعد حر وصعودا بعد هبوط وهبوطا بعد صعود وفي الهواء تحريكا وتمويجا بعد ركود وسكون لتسخين أيضا وتبريد في موضع دون موضع يوجب حركة منه أو اليه بعد سكون أو سكونا بعد حركة فتتحرك بذلك الأجسام العنصرية في اجزائها بالتمويج والتبخير فتصعد اجزاء وتهبط أخرى وتقبل اجزاء وتدبر أخرى وتتيامن اجزاء وتتياسر أخرى فتتصادم المتحركات في حركاتها إلى الجهات المختلفة فيتشبث بعضها ببعض فيختلط ويمتزج أنواع الامتزاج وتصعد به لان يتكون بها أنواع الكائنات الفاسدات فلا يقر منها عنصر بجملته ولا يتحرك بجملته ولا تفتر الحركة في اجزائه إلى سائر جهاته والقوى الطبيعية فيها منازعة مجاذبة في اعادتها إلى الاحياز الطبيعية فتجتمع لها من المحركات القسرية والطبيعية والعرضية والذاتية حركات مختلفة إلى جهات مختلفة في أوقات مختلفة فتشبه بذلك السماوات في حركات الاجزاء وثبوت العلات « 1 » في الأمكنة والاحياز الطبيعية وانما سكنتها الحكمة الناظمة للموجودات لتعدها للانفعال والتأثر والتحرك « 2 » بهذه المؤثرات السمائية فان أحسن أحوال القابل المنفعل في قبوله الفعل من الفاعل المتحرك وأتم استعداده وتمكينه له يكون بالسكون فحركاتها عن الاحياز بالقسر وبالعرض
--> ( 1 ) كذا وفي صف - الكلاب ( 2 ) المحركات -