ابو البركات

149

الكتاب المعتبر في الحكمة

والمشروب إلى طبائعها ومزاجاتها والنار التي تأكل ولا تشرب هي حرارة النار المحرقة المعلومة والنار التي تشرب ولا تأكل هي الحرارة التي في النبات والنار التي لا تأكل ولا تشرب هي النور والأنوار كأنوار الكواكب وهذا كلام ركيك يرجع إلى أصل صحيح وهو اختلاف جواهر هذه الحرارات وذواتها فان الحرارة الغريزية التي في أبدان الحيوان غير حرارة النار على ما ستعلم فيما بعد ويتضح لك بدلائل مصدقة مقبولة وحرارة النار غير حرارة الشمس فإنها لا تقويها بل قد تضعفها وحرارة النبات غير هذه أيضا فاما الاكل والشرب فمن الاعتبارات العامية لان معناه الا حالة وكلها تحيل ولكن أقل وأكثر وأشد وأضعف فالحرارة اسم مشترك لبسائط محسوسة متشابهة عند الحس مختلفة الجواهر والأنواع . واما البرودة فإنها واحدة انما تختلف بالأشد والأضعف قال قوم ان البرودة ليست من المعاني الوجودية وانما هي معنى عدمي بالقياس إلى الحرارة كالظلمة للنور « 1 » وما قالوا حقا لان الاعدام لا تفعل فان الظلمة لا تحيل غيرها إلى طبعها والبرودة تفعل فان البارد يبرد كما أن الحار يسخن . واما اليبوسة فهي طبيعة الأرض وقوامها وهي غاية الكثافة والرطوبة هي طبيعة الماء وقوامه وقد حدوا اليابس بأنه الذي يعسر انخراقه وذلك الحد أولى بالصلب والرطب ما يسهل انخراقه وذلك أولى باللين فإنهم يقولون إن الهواء رطب والنار يابسة فان أرادوا بذلك ان اليابس الذي يعسر انخراقه فما النار يابسة لأنها تنخرق بسهولة والماء ايبس منها لأنه أعسر انخراقا منها وان قالوا إنها تجفف بالاحراق فسيأتي جوابه فيما بعده ( ويتبين ان ذلك بالعرض - « 2 » ) وكذلك الرطب ان أرادوا به اللطيف الذي يسهل انخراقه فالنار أرطب من الماء والذي يدل عليه العرف اللغوي القديم هو ان الرطب والرطوبة اسم لقوام الماء الجاري لا لقوام الهواء بل هو باللطافة والرقة أولى فإنهم يقولون رطب الهواء اى خالطته اجزاء مائية ولو أرادوا بالرطوبة اللطافة والرقة لقد كانوا يقولون كثف الهواء أو يبس

--> ( 1 ) صف - والنور ( 2 ) من سع .