ابو البركات
137
الكتاب المعتبر في الحكمة
ما من شأنه لا على ما يوجد كذلك لا محالة والقول بأنها ليس من شأنها ذلك لم تثبت له حجة توجب الحكم به عليه . واما المضادة بالرطوبة واليبس فمما لا اعرفه حتى احكم فيه فإنهم يقولون إن الرطب ما يسهل انخراقه واليابس ما يعسر انخراقه ثم يحكمون على النار بأنها يابسة وهي سهلة الانخراق وأسهل انخراقا من الهواء ويقولون إن اليابس ما يتحيز بنفسه والرطب ما ينحاز بغيره فان عنوا بذلك كلية الجسم « 1 » فكل جسم ينحاز بنفسه وان عنوا الجزء من الجسم فالنار الصاعدة لا تنحاز ولا تتشكل بنفسها الا كما يتشكل الماء المنحدر وما شاكله يستدق عند الطرف بعد غلظه عند المسيل ولا يستدق بحسب قوة جريته والدقة في النار في الطرف الصنوبري انما هي لاضمحلال ما عند الصنوبرية بالتلاشى والانطفاء ولو بقي لصعد أسطوانيا بل قطعة كبيرة تبتدئ من دقة وضيق بحسب المشتعل وتأخذ إلى سعة بحسب الانبساط المتناسب في اخذه من عند المركز إلى المحيط فهو في صعوده كالماء في انحداره الا ان هذا ينطفئ ويستحيل في صعوده ويتشكل باقيه بالصنوبرية وذلك لا يستحيل فبقى على اسطوانيته أو ما يقارب الاسطوانية ويتصل هذا وينفصل ذاك وان قيل إن اليابس هو الذي إذا قبل شكلا بقي فيه وليس كذلك الرطب فليس كذلك النار ويحصل من معنى اليبس والرطوبة على معنى الصلابة واللين والكثافة واللطافة وقد قيل في ذلك فلا ضد للسماء ولا مضادة بين السماوات في حال من أحوالها وطبيعة من طبائعها فإذا لم يكن لطبيعة الفلك ضد ولا فيها تضاد فليس فيها استحالة ولا فساد لان الاستحالة كما عرف من ضد إلى ضد . وقد ظن قوم ان ظلمة القمر بعد استنارته في أول الشهر وأواخره وخسوفه وكسوف الشمس استحالة وفساد في الجوهر السمائى وليس ذلك بحق لان نور القمر ليس مما هو له في ذاته وانما هو من الشمس فيعدمه « 2 » بحاجز كثيف يحجز بينهما وهو الأرض والشمس لا يعدم نورها في كسوفها وانما يحجبه القمر « 3 » عن ابصارنا والفساد انما يطرأ على الشئ من جهة ضده والأضداد هي
--> ( 1 ) هامش صف - كمية الجسم ( 2 ) سع - فيعدمه القمر بحاجز ( 3 ) سع - يحجب القمر