ابو البركات
134
الكتاب المعتبر في الحكمة
والمأخذ والجهة ولو كانت كلها نارا لكانت طبيعة واحدة فلم تختلف حركاتها ومأخذها وجهاتها وانما اختلفت الحركات والاحياز والاقدار لاختلاف الطبائع لا محالة فليس السماء ولا كواكبها نارا على ما ذهب اليه الظن ولو كانت السماء وما فيها نارا أو حارة لقد كان ما يقرب منها من أعالي الجو والجبال الشامخة والأرض العالية أشد حرا ولما كانت الشمس تسخن بطلوعها السماوات والأرض والكواكب اضعاف اضعافها فكيف كانت تختص بالاسخان دونها وهي فيها كقطرة في بحر والامر في ذلك بالعكس لأنا نرى الأعالي أبرد والمطر والبرد والثلج يهبط الينا من أعالي الجو فذلك دليل كاف أيضا على أنها ليست بنار ولا حارة وهي طبائع أخرى وصعود النار ليس هو إلى الفوق المطلق بل إلى فوق الهواء كما أن صعود الهواء ليس إلى فوق المطلق بل إلى فوق الماء وستعلم فيما بعد كيف استدلوا على أن حيز النار في مقعر الفلك في الآثار العلوية وكذلك تعلم أن السماوات وكواكبها ليست مركبة من هذه الطبائع فان المركب يسكن بطبعه في حيز الغالب من عناصره بل يقرب منه بحسب غلبته فيه فلو كانت مركبة منها لما بعدت احيازها . فان قيل إن اختلاف الحركات بالسرعة والبطء انما هو لاختلاف الأفلاك في العظم والصغر قيل ولم اختلفت الأفلاك وبما ذا يميز بعضها عن بعض وطبيعتها واحدة والامر في الحركة بالعكس مما نظنه أيضا لأن الأبطأ بمقتضى هذا القول يلزم ان يكون الأكبر لسعة مداره والاسرع يكون الأصغر لضيق مداره والامر بالعكس فان أعظم الأفلاك وأوسعها مدارا هو فلك معدل النهار وهو اسرعها حركة ثم ما يليه فما يليه في الحركة اليومية ابطأ ثم ابطأ ان كان تحركها بالذات وان كان تحركها بالعرض وتابعة لحركة معدل النهار فحركاتها التي لها لخاصتها ابطأ منه كثيرا ثم إن الكواكب لا تكون نارا لأن النار شفافة وهي كثيفة لا تشف عما وراءها بل تكثف ويحجب بعضها بعضا ولا هي مع كثافتها ارض ولا أرضية فان الأرض والأرضي لا يتحيز في الحيز الاعلى ولا يبقى الجسم