ابو البركات

131

الكتاب المعتبر في الحكمة

فامّا السبب الذي دعا القائلين بهذا القول اليه حتى تمحل له من تحمل هذه الحجج فهو ما أقوله - لما رأى القدماء الكواكب الثابتة مع حركتها اليومية التي من المشرق إلى المغرب دائرة حول القطبين والأرض على دوائر مختلفة بالصغر والكبر بحسب اختلاف بعدها وقربها من القطبين مختلفة في السرعة والبطء اختلافا بحسب دوائرها مع اختلاف مقاديرها بحيث تحفظ أوضاعها في القرب والبعد بين بعضها وبعض بحيث لا تتقارب المتباعدة منها ولا تتباعد المتقاربة ولا يختلف نظام وضعها بحركتها غلب على ظنهم بل اعتقدوا أن حركتها بأسرها انما هي بحركة الفلك الذي هي فيه ولو أنها تتحرك بذواتها خارقة للفلك لتقدم وتأخر بعضها عن بعض وتباعدت وتقاربت واختلفت اشكال أوضاعها بعضها عند بعض وبعد في أنفسهم وتقديرهم أن تكون مقدرة السرعة والبطء من اختلاف دوائرها تقديرا يحفظ الأوضاع حتى تشبه حركة جملتها بحركة فلك يدور على القطبين ومنطقة ولو قصده قاصد للتشبيه لقد كان في غاية الصعوبة يحتاج إلى حكمة بالغة وليس مما تقصده الحكمة وزادهم في ذلك اعتقادا ما عرفوه من حركتها البطيئة المخالفة لهذه في كل مدة مديدة وسنين عدة قدر درجة واحدة لها بأسرها على نسبة واحدة يحفظ لها القرب والبعد من نقطة الاعتدال ولما حكموا بحسب هذا النظر على هذه الكواكب وهي الأكثر بان حركتها التي نشاهدها هي حركة لها بالعرض من جهة حركة فلكها قضوا بمثل ذلك في الكواكب الأخرى القليلة « 1 » وهي السبعة المتحيرة ولم يروا ان يحكموا فيها بخلاف ما رأوه في تلك ولم يفرقوا في الحكم في هذه وتلك بين كوكب وفلك وكوكب وفلك وتمحلوا لحركاتها المختلفة ما تمحلوه وأحسنوا في تمحله من كثرة الأفلاك والحركات وكان الأول من جهة الان وغلبة الظن والثاني ظنا تبع ذلك الظن فأراد الحكماء الطبيعيون ان يحكموا مثل ذلك بحجج حكمية تأتى مع الانية باللمية فتمحلوا ما سمعت وقالوا ما تلى عليك وجعلوا المسألة كلية ومنعوها وجودية وفرضية فلم يثبت ما قالوه وعاد الامر إلى الظن القوى والاعتقاد في

--> ( 1 ) سع - الفلكية .