ابو البركات
9
الكتاب المعتبر في الحكمة
سبب وعلة للمركب منها ومن المعنى الذي عرفنا حصوله بزواله كالحرارة والبرودة فيما يسخن ويبرد وما يشبهه فيما لم يزل كذلك كأنوار الكواكب . واما المعنى المقترن بها الحال فيها فقد قيل إنها سبب وعلة له اعني في وجوده وحصوله لا في ماهيته وحقيقته ، وفرق بينهما فان الجسم ليس هو علة للبياض كما هو علة للأبيض فإنه جزء معنى الأبيض لأنه الشئ الذي فيه البياض وليس هو كذلك للبياض فإنه ليس جزء معناه بل هو موضوع له كما قيل ، وانما سميت سببا وعلة ومبدأ من حيث هي هيولى لا من حيث هي موضوع ، وان سميت من حيث هي موضوع سببا وعلة أيضا كانت السببية والعلية والمبدئية فيهما باشتراك الاسم ، فإن كان في المعلولات ما ليس في هيولى ولا له هيولى هي جزء معناه فذلك قد خرج عن سببية الهيولى وعليتها بكلا الوجهين ولم يخرج عن سببية الفاعل ومبدأيته ، وما لا يخرج عن سببية الهيولى أيضا لا يخرج عن سببية الفاعل فان كل موجود في هيولى فعن فاعل وليس كل ما هو عن فاعل في هيولى على ما يوضحه البيان في موضعه ويبادر الذهن الآن إلى قبوله . واما الحاصل الزائل وما يشبهه من غير الزائل كالنور في المصباح والكوكب فيسمى صورة وهي التي بها هو الشئ ما هو كالأبيض ببياضه والحار بحرارته والمطبوع بطبعه والمخصوص بخاصيته ومن قبلها يسمى المسمى لان بها هو ما هو كانسانية الانسان وفرسية الفرس وقد تكون أيضا كلية وجزئية ولا تكون عامة وخاصة كما كان الفاعل والهيولى مشتركتين لمختلفات الصور والصورة الواحدة لا تكون مشتركة لمختلفات الهيولى اشتراكا وجوديا وانما الصورة الجزئية للشخص الجزئي في الوجود والكلية للكلى في الذهن لا في الوجود . ويقولون إن من الصور ما هو جوهر وجزء الجوهر كنفس الانسان في الانسان ، ومنها ما هي عرض في الجوهر كالبياض والسواد في الانسان ، ومنها مفارقة كحرارة الماء ، وغير مفارقة في الوجود كحرارة النار ، ومنها ملكة يتقادم عهدها ويعسر زوالها ومنها حالة يسرع زوالها ولا يطول زمانها .