فخر الدين الرازي
70
شرح عيون الحكمة
--> والمعنى : ان اللّه تعالى أخذ فرعون وجنوده للاهلاك بالغرق في اليم ، دلالة على قدرة اللّه وعظمته . فلما أدركه الغرق وأسلم بعد ما عاين هلاك جنوده ، نجا باسلامه من الغرق ومن التنكيل . وصارت حاله في استسلامه وضياع هيبته وقوته ، كمن نكل به . فيكون المعنى : أخذ اللّه قومه نكال الآخرة والأولى . وهو قد كان داخلا . لكن لما أسلم خرج باسلامه عن قومه . وقد جاء في القرآن : « فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس » والقرية غير الشخص الواحد . فالقرية لما آمنت ، نجت من الهلاك . وهذا يدل على أن آل فرعون لم يؤمنوا من قبل الغرق - لأن يونس بعد موسى ، وكان على شريعة موسى - فلذلك لم ينفعهم الايمان . أما حال الغرق . فلم يكن فرعون في مقدمة الجنود ، بل كان بعيدا عنهم في المؤخرة . فلما شاهدهم يغرقون وكانت عنده الفرصة لينطق بالشهادتين ، نطق بها . وعندئذ ارتفع عنه النكال ، ولم يرتفع عن قومه . وقوم يونس ارتفع عنهم النكال ، لأنهم آمنوا قبل وقوعه ، لا حال وقوعه . وفرعون ارتفع عنه النكال لأنه آمن قبل وقوعه عليه . لأنه كان في مؤخرة الجنود المحاربين . ولم يقع عليه النكال بعد . وقال بعض المفسرين أن الأولى : هي قول فرعون : « ما علمت لكم من إله غيرى » والآخرة هي قوله : « أنا ربكم الأعلى » وكان بينهما أربعون سنة . وقولهم هذا على أن فرعون كان « إلها » يعبد مثل الأصنام والشمس والقمر . وقوله : « ويذرك والهتك » يرد قولهم لأنه يدل على أن « من إله غيرى » معناه : من سيد . ويدل غيرى « أنا ربكم » أي سيدكم . ومدة الأربعين تحتاج إلى دليل . وهو غير موجود . * * * وفي التوراة : أن الفرعون الذي أذل واستعبد بني إسرائيل . لم يكن من أسرة الفراعنة التي كان في أيامها يوسف عليه السلام . ففي سفر الخروج : « ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف » وهذا يدل على أن غزاة فاتحين كانوا قد أتوا إلى مصر وحكموها . ولما رأوا فيها بني إسرائيل غرباء ، خافوا منهم أن ينضموا إلى أعدائهم من الأمم الأخرى ، أو يتحالفوا عليهم مع المصريين أهل الأرض ، أو مع آل فرعون الذين غلبوهم وأخذوا منهم الحكم . لذلك أذلوهم بأعمال شاقة ويقتل الذكور من أبنائهم . وفي القرآن ما يفهم منه ذلك . فان فرعون قال