فخر الدين الرازي
46
شرح عيون الحكمة
وإذا ثبت هذا ، وجب إسقاطه . وحينئذ يبقى مجرد قوله : « السبب : هو كل ما يتعلق به وجود الشئ » ( قول ) « 1 » مختل . لأن لفظة التعلق لفظة مجملة مشتركة بين أمور كثيرة . ومثل هذا اللفظ لا يجوز استعماله في التعريفات . وأما التعريف المذكور في الحدود ، فإنه بحث سقط عنه امتناع الدور . وحينئذ يبقى مجرد قوله : « العلة كل ذات وجود ذات أخرى منه » يصير حاصل الكلام ( منه ) أنه أبدل لفظة « العلة » بلفظة « من » وهذا باطل من وجهين : الأول : ان أبدال لفظ بلفظ ليس من باب التعريفات الحقيقية . الثاني : أن لفظة « من » مشتركة بين ابتداء الغاية وبين التبعيض وبين التبيين . - على ما هو مذكور في النحو - ولا يمكن حمله في هذا الموضع الا على ابتداء الغاية . ثم ابتداء الغاية أقسام كثيرة . كالابتداء من الزمان ، ومن المكان ، ومن القابل ، ومن المؤثر . ولا شك أن المراد هنا ليس الا الابتداء من المؤثر ، فيصير هذا التعريف ابدالا للفظة الموضوعة لمعنى معين ، بلفظة مشتركة بين مفهومات كثيرة . ومعلوم أن ذلك باطل . والأقرب عندي أن يقال : قد سمعت أن هنا علة صورية - وهي جزء الشئ الذي يجب حصول الشئ عند حصوله - وعلة مادية - وهي الجزء الذي به يحصل إمكان الشئ - وعلة فاعلية - وهي التي تؤثر في وجود الشئ - وعلة غائية - وهي التي كان لأجلها الشئ - والقدر المشترك بينها - ( وهو ) أنه الذي يحتاج اليه الشئ - واعلم : أن حاجة الشئ إلى غيره ، قد تكون في ماهيته . وهي كاحتياج الشئ إلى جزئه الصوري وجزئه المادي . وجزؤه المادي قد يحتاج إلى شئ في وجوده فقط - وهو السبب الفاعل والغائى - والقدر المشترك بين الكل هو قولنا : انه محتاج اليه . فان قيل : فالشرط أيضا محتاج اليه . قلنا : الشرط في الحقيقة عبارة عن جزء العلة . ونحن في هذا الموضع لا نفرق بين العلة التامة وبين جزء العلة .
--> ( 1 ) أن هذا القدر أيضا : ص .