فخر الدين الرازي
42
شرح عيون الحكمة
فيشتاق اليه من حيث التخيل . وأما إذا قيل : العبث انه ليس لغرض . فمعناه : أنه ليس لفرض عقلي . فالعابث بيده ، محركه القريب هو محرك عضل اليد ، ويتحرك إلى غاية ما ، لتلك القوة . عندها تقف . إلى غاية ما أخرى للتخيل المستعمل للسوق . وليس لغاية عقلية » التفسير : لما بين بالدليل : أن كل فاعل فلا بد له في فعله من عرض وغاية . أورد على نفسه سؤالا . فقال : يشكل بالعابث . فإنه فعل اختياري وليس له فيه غاية وغرض . والجواب عليه : أنا بينا أن الفعل الاختياري مبدأه القريب القوة الموجودة في العضلات المحركة للاعضاء ، وقبلها القوة الشوقية وهي الرغبة في جذب النافع أو دفع الضار . وقبل هذه القوة الشوقية : تصور أن ذلك الفعل نافع أو ضار ، اما تصورا حاصلا على سبيل الفكر العقلي أو حاصلا على سبيل التخيل الحيواني الاتفاقي . فهذه المراتب الثلاث لا بد منها - وقد شرحناها في ما تقدم - إذا عرفت هذا فنقول : الحركة الواقعة على سبيل العبث . فاعلها القريب : هو القوة الموجودة في العضلة . ولا شك أن تلك القوة تقتضى حصول تلك الحركة إلى حد ما معين . فغاية القوة المحركة : اتصال الجسم إلى ذلك الحد المعين . وقد حصلت الغاية بالنسبة إلى القوة المحركة وأما المرتبة الثانية : وهي القوة الشوقية فما لم تحصل هذه الإرادة وهذا الشوق ، إلى احداث تلك الحركة الواقعة على سبيل العبث ، فان تلك الحركة لا توجد . وغاية هذا الشوق المعين بالإرادة المعينة : اتصال ذلك الجسم إلى ذلك الحد المعين . وأما المرتبة الثالثة : وهي المبدأ البعيد . وهي اعتقاد أن ذلك الفعل نافع أو ضار . فهذا أيضا لا بد منه . وقد عرفت أن هذا الاعتقاد تارة يكون فكريا عقليا ، وأخرى يكون تخيليا . ومبدأ الفعل العبثى - في أكثر الأمر - هو هذا الاعتقاد التخيلى ، لا الاعتقاد الفكري . فيكون حصول هذا الفعل العبثى إلى الحد المعين غاية للاعتقاد التخيلى ، ولا يكون غاية للاعتقاد الفكري ، الا أن الحاصل هاهنا هو الاعتقاد التخيلى ، لا الاعتقاد الفكري . فثبت بما ذكرنا : أن الفعل العبثى لم يحصل أيضا الا لغاية معينة .