فخر الدين الرازي
22
شرح عيون الحكمة
الحادثتين . وذلك يوجب أن من غمس إصبعه في البحر ، فقد أعدم البحر الأول ، وأحدث بحرا جديدا . وذلك لا يقوله عاقل . فان قالوا : انه وان زالت الجسمية الأولى وحدثت جسميتان جديدتان لكن الهيولى باقية في الحالتين فلا جرم لم يلزم أن يكون التفريق اعداما . قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول : ان الجسم حين كان واحدا ، فقد كانت هيولاه واحدة . وإذ انقسم ذلك الجسم ، فقد انقسمت هيولاه أيضا . فإذا كان التقسيم اعداما للصورة والهيولى معا . فيلزم أن يكون التقسيم اعداما مطلقا . ويسقط هذا العذر . الثاني : أن الجسم المعين عبارة عن مجموع الهيولى المعينة ، والصورة المعينة . فإذا بطلت تلك الصورة المعينة ، فقد بطل أحد الجزءين من ماهية ذلك الجسم . وبطلان أحد أجزاء الماهية يقتضى بطلان ذلك المركب . وهذا يقتضى أن يكون تفريق البحر اعداما له . وذلك لا يقوله عاقل . فهذا هو الكلام على المقدمة الأولى من الدليل المذكور . واما المقدمة الثانية : وهي قولنا : ان كل ما يصح عليه الحدوث والزوال ، فله مادة . فالكلام على هذه المقدمة قد ذكرناه في كثير من كتبنا . فلا نعيده هنا . والطريق الثاني في تقرير دليل « الشيخ » : أن يقال : الجسم متصل بالفعل ومنفصل بالقوة . وكونه متصلا بالفعل ومتصلا بالقوة ، أثران متغيران . والشئ الواحد لا يمكن أن يكون مصدرا لأثرين متغايرين ، بناء على أن الواحد لا يصدر عنه الا الواحد . فلا بد وأن يكون الجسم مركبا من أمرين : أحدهما : له عند الفعل . والآخر : له عند القوة . والأول الصورة . والثاني الهيولى . وهذا الوجه أيضا قد كنت تكلفته في نصرة دليل « الشيخ » وهو أيضا ضعيف جدا . لأنه بناء على أن الواحد لا يصدر عنه الا الواحد . وقد بينا ضعف كلامهم في تقرير هذه المقدمة .