فخر الدين الرازي

170

شرح عيون الحكمة

ووقف النظر على جلال الحق الأول ، ومطالعته مطالعة عقلية . والاطلاع على أن الكل من قبله ليكون صورة الكل بتصور النفس الناطقة بلحظها . وهي مشاهدة ذات الأحد الحق من غير فتور ولا انقطاع مشاهدة عقلية . والحق ولى تسهيل سبيلنا إليها . انه سميع مجيب » التفسير : الانسان يشارك النبات والحيوان بأكله وشربه ودفاعه ، ويشارك سائر الحيوانات بشهوته وغضبه وحبه للاستعلاء . ويمتاز عنهما بأسرهما في كونه عارفا بحقائق الأشياء محيطا بها مطلعا عليها . وبدائه العقول السليمة شاهدة بأن الانسان أشرف من الجمادات والنباتات وسائر الحيوانات . فإذا كان هو أشرف من غيره بكونه انسانا وهو أنه انما كان انسانا بهذه المعرفة ، وجب أن يكون هذا العرفان أشرف مما عداه . وإذا ثبت هذا فنقول : اما معرفة هذه الجسمانيات على سبيل الجزئي فخسيسة . لأن أحوال هذه الجسمانيات زائلة ، ومتى كانت زائلة كان العلم بها زائلا . والكمال الذي يكون على شرف الزوال خسيس . وأيضا : شرف العلم بشرف المعلوم . وكلما كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف . والحق سبحانه أشرف المعلومات ، فتكون معرفته أشرف المعارف . الا أن هذه المعارف الإلهية انما تقوى عند خلو النفس الناطقة عن الالتفات إلى ما سواها . فأما إذا التفتت إلى ما سواها ضعفت تلك المعارف الإلهية في الجلال والاشراق واللمعان . وهذه الأحوال لا سبيل إلى الوصول إليها الا بالتجربة والامتحان . وإذا عرفت ذلك ثبت : أن أول مراتب السعادة الانسانية ( هو ) الانقطاع بالجملة عن ملاحظة هذه الخسائس . وأما آخر مراتب هذه السعادة وغايتها : فهو وقت النظر إلى جلال الحق الأول ومطالعته مطالعة عقلية ، مبرأة عن امتزاج أحكام الوهم والخبال . والمراد من قولهم : وقف النظر على جلال الحق الأول : أنه ثبت أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة كنه حقيقة الحق سبحانه ، بل لا معلوم عندهم من الحق سبحانه الا السلوب والإضافات . أما السلوب فاليها الإشارة بقوله فالجلال . وأما الإضافة فاليها الإشارة بقوله : والاطلاع .