فخر الدين الرازي

155

شرح عيون الحكمة

--> من يرجو أن يتصدق عليه ، ومثل هذا لا يصح اهداؤه وهبته ، كصلة ترجى من ملك ، لا لتحقق حصولها . قالوا : وأيضا : فالايثار بأسباب الثواب مكروه . وهو الايثار بالقرب ، فكيف الايثار بنفس الثواب الذي هو غاية . فإذا كره الايثار بالوسيلة ، فالغاية أولى وأحرى ولذلك كره الإمام أحمد ، التأخر عن الصف الأول وايثار الغير به ، لما فيه من الرغبة عن سبب الثواب . قال أحمد - في رواية حنبل - وقد سئل عن الرجل يتأخر عن الصف الأول ويقدم أباه في موضعه ، قال : ما يعجبني . يقدر أن يبر أباه بغير هذا . قالوا : وأيضا : لو ساغ الاهداء إلى الميت ، لساغ نقل الثواب والاهداء إلى الحي . وأيضا : لو ساغ ذلك ، لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه . وأيضا : لو ساغ ذلك ، لساغ اهداؤه بعد أن يعمله لنفسه . وقد قلتم : انه لا بد أن ينوى حال الفعل اهداءه إلى الميت ، والا لم يصل اليه . فإذا ساغ له نقل الثواب . فأي فرق بين أن ينوى قبل الفعل أو بعده ؟ وأيضا : لو ساغ الاهداء ، لساغ اهداء ثواب الواجبات على الحي ، كما يسوغ اهداء ثواب التطوعات التي يتطوع بها . قالوا : وان التكاليف امتحان وابتلاء ، وهي لا تقبل البدل . فان المقصود منها : عين المكلف العامل المأمور المنهى ، ولا يبدل المكلف الممتحن بغيره ، ولا ينوب غيره عنه في ذلك . إذا المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته . ولو كان ينتفع باهداء غيره له من غير عمل منه ، لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك . وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفع الا بسبعة . وهذه سنته تعالى في خلقه ، وقضاؤه ، كما هي سنته في أمره وشرعه . فان المريض لا ينوب عنه غيره في شرب الدواء ، والجائع والظمآن والعاري ، لا ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس . قالوا : ولو نفعه عمل غيره ، لنفعه توبته عنه . قالوا : ولهذا لا يقبل اللّه اسلام أحد عن أحد ، ولا صلاته عن صلاته . فإذا كان رأس العبادات لا يصح اهداء ثوابه ، فكيف يصح فروعها ؟ قالوا : وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى الله أن يتفضل على الميت ويسامحه ويعفو عنه . وهذا ( ليس ) اهداء ثواب عمل الحي اليه . * * * ( و ) قال المقتصرون على وصول ( ثواب ) العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج . العبادات نوعان :