فخر الدين الرازي

142

شرح عيون الحكمة

--> 2 - الانسان إذا كان يتحدث عن نفسه يقول « أنا » وإذا خاطب غيره يقول له « أنت » وأحيانا يقول ، وهو غافل عن نفسه . فاذن « أنا » أو « أنت » تدل على أن الروح غير الجسم . 3 - الانسان يتذكر ما جرى له طول عمره وهو في سن الأربعين مثلا ، مع أن الجسد قد ضاعت منه أجزاء ، وحل محلها أجزاء . ونذكره يدل على أن روحه غير جسده ، لأن التذكر باق والجسد يفنى . 4 - إذا وضع الانسان في مكان خالى لا يدرك فيه أي شئ عن العالم ، وعصبت عينيه بحيث لا يرى شيئا ، فإنه مع هذا يحس بأنه موجود . واحساسه هذا يكون بروح غير أعضاء الجسد . هذه براهين من براهين ابن سينا على أن الروح منفصل عن الجسد وروحه ، وهي نفسها براهين الامام الرازي . وأضاف الرازي عليها أدلة قرآنية . وأدلة من الصفة . فمن القرآن قوله تعالى : « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ، بَلْ أَحْياءٌ . عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » ( آل عمران 169 ) والحياة بعد القتل تكون بشيء مختلف عن الجسد ، وهو الروح . ومن السنة قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أولياء اللّه لا يموتون ، ولكن ينقلون من دار إلى دار » وكل ذلك يدل على أن النفوس باقية بعد موت الجسد . وحكى الرازي في تفسير هذه الآية عن قوم ما نصه : « ان تفسير الآية بأنهم سيصيرون في الآخرة أحياء . قد ذهب اليه جماعة من متكلمي المعتزلة . منهم أبو القاسم الكعبي . قال : وذلك لأن المنافقين الذين حكى اللّه عنهم ما حكى ، كانوا يقولون : أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يعرضون أنفسهم للقتل فيقتلون ويخسرون الحياة ولا يصلون إلى خير . وانما كانوا يقولون ذلك لجحدهم البعث والميعاد ، فكذبهم اللّه تعالى . وبين بهذه الآية أنهم يبعثون ويرزقون ويوصل إليهم أنواع الفرح والسرور والبشارة » ثم قال الرازي في الرد عليهم : « واعلم : أن هذا القول عندنا باطل . . . الخ » وغرضه من أن يبطله هو أن يثبت النعيم في القدر أو العذاب فيه . ذلك لأن القرآن في محكمه ينفى ما في القبر ، وفي متشابهه