فخر الدين الرازي

117

شرح عيون الحكمة

ولقائل أن يقول : الكلام على هذا الحد قد تقدم . والذي نقوله الآن : انه لا يجوز أن تكون حقيقة واجب الوجود عين وجوده . ويدل عليه وجوه : الأول : انا بينا : أن مفهوم الوجود مفهوم واحد ، والمفهوم من حيث إنه مع قطع النظر عن كل ما سواه اما أن يقتضى أن يكون عارضا لماهية ، أو يقتضى أن يكون غير عارض لماهية شئ من الماهيات ، أو لا يقتضى واحد من هذين القسمين . فإن كان الأول وجب أن يكون كل وجود عارضا لماهية موجود واجب الوجود ، ويكون صفة حقيقية ، وان كان ( غير عارض لماهية شئ من الماهيات ) وجب أن لا يكون كل شئ من الموجودات عارضا لشئ من الماهيات . فاما أن لا تكون هذه الماهيات الممكنة موجودة ، أو ان كانت موجودة لكن يكون وجودها نفس حقيقتها . وحينئذ لا يكون مفهوم الوجود مفهوما واحدا . هذا خلف . وان كان الثالث فحينئذ يصير وجود واجب الوجود مجردا عن الماهية أو لسبب منفصل . فيكون واجب الوجود لذاته ، واجب الوجود بغيره . هذا خلف . الثاني : أن واجب الوجود معلوم . وحقيقته غير معلومة . فوجوده غير حقيقته . الثالث : ان كونه مبدأ لغيره اما أن يكون ، لأنه وجود ، أو لا لأنه وجود ، أو لأنه وجود مع سلب . والأول باطل والا لكان كل وجود كذلك . والثاني باطل والا لكان السبب جزءا من علة الثبوت . هذا خلف . الرابع : أنهم قالوا : أفراد الطبيعة الواحدة يجب أن يكون حكمها واحدا ، ثم بنوا على هذه المقدمة ابطال القول بكون الخلاء بعدا مجردا . فقالوا : طبيعة البعد واحدة . وان كانت مجردة فلتكن كذلك في الكل . فالجسم بعد مجرد . هذا خلف . وان كانت مادية فلتكن كذلك ، فالخلأ يمتنع أن يكون بعدا مجردا . وأيضا : قالوا : لما ثبت في الأجسام التي تقبل الفصل أن جسميتها محتاجة إلى المادة ، وجب في كل جسمية أن تكون محتاجة إلى المادة . وإذا عرفت هذا فنقول : أما الوجود من حيث إنه وجود حقيقته واحدة . فان افتقرت إلى الماهية فليكن كذلك في الكل ، وان استغنت عن الماهية ، فلتكن كذلك في الكل .