فخر الدين الرازي
115
شرح عيون الحكمة
المسألة الثالثة في أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته اعلم : أن المراد من قولنا : واجب الوجود بذاته : واجب الوجود من جميع جهاته . معناه : أنه ممتنع التغير في صفة من صفاته . والدليل في هذه المسألة : أن يقال : كل صفة تفرض . فاما أن تكون ذات واجب الوجود كافيا في ثبوت تلك الصفة أو لا في ثبوتها ولا في عدمها . فإن كان الحق هو الأول والثاني ، لزم من دوام ثبوت تلك الصفة سلبها دوام « 4 » الذات الواجبة . وان كان الحق ( هو ) الثالث فهو باطل . لأن الذات الواجبة موقوفة التحقق على ثبوت تلك الصفة أو عدمها . وثبوت تلك الصفة أو عدمها ، موقوف على حصول السبب الموجب لتلك الصفة أو حصول السبب المقتضى لذلك العدم . والموقوف على الموقوف على الشئ ، موقوف على ( ذلك ) الشئ . فيلزم أن يكون وجود واجب الوجود موقوفا على الغير ، ممكن لذاته ، فيلزم أن يكون واجب الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته . هذا خلف . وهذا البرهان المشهور على أن واجب الوجود بذاته ، واجب الوجود من جميع جهاته . وإذا عرفت هذا فنقول : حاصل الحرف في هذا الدليل : أن القول بجواز التغير على صفة من صفات واجب الوجود متعلقا بغيره ، ولما بين في ذلك التوجيه « 5 » أنه يمتنع أن تكون ذات واجب الوجود متعلقا بالغير بوجه من الوجوه ، لا جرم رتب عليه قوله : فاذن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته . لأن قوله : فاذن انما يحسن في ترتيب النتيجة على المنتج . فأما في ترتيب كلام آخر أجنبي عنه ، وفذلك غير جائز .
--> ( 4 ) بدوام : ص . ( 5 ) التوحيد : ص .