فخر الدين الرازي
88
شرح عيون الحكمة
وأيضا : فلقائل أن يقول : انا نرى الجسم كل ما كان أشد كثافة ، كان النفود فيه أسهل . والخلاء هو المقدار العاري عن جميع جهات الكثافة الكلية ، فلم لا يجوز أن يقال : المانع من هذا النفود هو الكثافة ، ولما لم تحصل الكثافة البتة في الخلاء ، لا جرم لم يمتنع نفود غيره فيه ؟ وبالجملة : نحن في مقام السؤال يكفينا مجرد المطالبة ، وعليكم إقامة البرهان القاطع على أن هذا الامتناع لا يوجبه الا مجرد البعدية . وهم لم يذكروا فيه خبالا ، فضلا عن الحجة والبرهان . * * * قال الشيخ : « بل يجب أن يكون مجموع بعدين أعظم من الواحد ، كجموع واحدين أكثر من واحد وعددين أكثر من عدد ، ونقطتين أكثر من نقطة ، لأن النقطة لا حصة لها في الكبر ، بل في العدد . والبعد له حصلة في الكبر ، كالعدد له حصة في الكثرة » التفسير : هذه هي الحجة الثالثة على امتناع تداخل الأبعاد . وتقريرها : ان مجموع البعدين يجب أن يكون أعظم من الواحد ، قياسا على أن مجموع واحدين أكثر من واحد ، وعددين أكثر من عدد واحد . ولقائل أن يقول : انكم بينتم في علم المنطق : أن التمثيل باطل ، وانه لا يلزم من ثبوت حكم في موضع ، ثبوت مثله في موضع آخر . هذا إذا ذكر بين الصورتين معنى جامع . وأما هاهنا فأنتم قسمتم احدى الصورتين على الأخرى ، ولم تذكروا جامعا خياليا . فكان هذا القياس أضعف بكثير من أقيسة الفقهاء والنحويين ، فكيف يجوز الالتفات اليه ؟ والذي يحقق هذا : هو أنا نعلم ببديهة : أن مجموع الواحدين أزيد من الواحد وحده . فهل نعلم ببديهة العقل : أن مجموع البعدين اللذين ينفد أحدهما في الآخر ، يكون أزيد مقدارا من البعد الواحد ؟ ومعلوم أن ذلك باطل . فان بديهة العقل حاكمة بأن بتقدير النفود يمتنع حصول الزيادة ، الا إذا قيل : ان القول بالنفود معلوم الامتناع في بديهة العقل . وحينئذ