فخر الدين الرازي
58
شرح عيون الحكمة
للأحياز الخالية خارج العالم . وهذا البرهان كما يبطل القول بوجود جسم لا نهاية له ، كذلك يبطل القول بوجود خلاء لا نهاية له على ما صرح « الشيخ » به هاهنا . والعجب من المتكلمين : ان الخلق ( الكثير ) منهم يحتجون بهذا الدليل على تناهى الأجسام ثم يثبتون أحيازا خالية خارج العالم ولا يعلمون أن هذا الدليل كما يبطل القول بوجود جسم لا نهاية له فكذلك يبطل القول بوجود خلاء لا نهاية له . واعلم : أن اعتماد المتكلمين في الفرق بين البابين ( هو ) على حرف واحد . وهو : أنهم يقولون : الأجسام ذوات موجودة ، فيصح وضعها بالتطبيق وبالزيادة والنقصان . وأما الأحياز الخالية فإنها نفى محض وعدم صرف . فكيف يعقل وصفها بالتطبيق وبالزيادة والنقصان ؟ واعلم : أن هذا الفرق ضعيف من وجهين : ( الوجه ) الأول : انا لا نسلم أن هذه الأحياز الخالية : عدم محض ونفى صرف . وذلك لأنهم يصفون تلك الأحياز الخالية بصفات كثيرة . هي صفات وجودية . ويدل عليه وجوه : أحدها : انهم يقولون العالم حصل في حيز مخصوص ويصح انتقاله من ذلك الحيز إلى سائر الأحياز الخالية . ولولا أن كل واحد من تلك الأحياز متميز في نفسه عن الحيز الآخر ، والا لكان هذا الكلام محالا . وثانيها : انهم يصفون هذا الخلاء بالصغر والكبر والمساحة والمقدار ، فان البعد الذي بين طرفي الطاس ، أصغر مما بين الدارين . والذي بين الدارين أصغر من البعد الذي بين المدينتين . وذلك أصغر مما بين السماء والأرض وذلك أصغر من الخلاء الذي لا نهاية له . والذي يكون موصوفا بالصغر والكبر والمساحة والمقدار ، فإنه لا يكون عدما محضا . وثالثها : انهم يدعون الضرورة بكون الأحياز الفوقانية مغايرة للأحياز التحتانية . وكذا القول في اليمين واليسار والقدام والخلف . والعدم المحض ، والنفي الصرف لا يحصل فيه هذا الامتياز .