فخر الدين الرازي
36
شرح عيون الحكمة
واعلم : أنك لما علمت في الفصل المتقدم : أن العلة قد تكون علة بالذات ، وقد تكون علة بالعرض ، لا جرم بين هاهنا : أن الطبيعة في كونها موجبة للحركة والسكون على الوجه الذي لخصناه ، موجبة بالذات لا بالعرض . واعلم : أنه متى صدق على الطبيعة أنها مبدأ بالذات لهذا الأمر ، قد صدق عليها أنها ليست بالعرض لذلك ، فيشبه أن يكون قوله بالعرض كالتكرير الذي يذكر لأجل التوكيد . ونظيره قولهم في حد القياس : انه قول مؤلف من أقوال ، إذا سلمت لزم عنها قول بالذات لا بالعرض . * * * قال الشيخ : « الحركة كمال أول لما بالقوة ، من حيث هو بالقوة . وهو كون الشئ على حال لم يكن قبله ولا بعده فيه » التفسير : هذه هي المصادرة الخامسة . واعلم : أن هذا البحث انما جعله من مبادئ العلم الطبيعي ، لأن موضوع العلم الطبيعي هو الجسم من حيث إنه يتحرك ويسكن . وإذا كان كذلك ، كان تصور الحركة والسكون جزءا من أجزاء هذا العلم ، فلا جرم كان من المبادي . ثم يقول : الحكماء ذكروا في تعريف الحركة وجوها : التعريف الأول : أن يقال : اعلم أن الشئ اما أن يكون بالفعل من كل الوجوه ، أو بالقوة من كل الوجوه ، أو بالفعل من وجه وبالقوة من وجه آخر . أما الأول وهو الذي بالفعل من كل الوجوه فهو اللّه سبحانه ، فإنه منزه عن طبيعة القوة والامكان وضرب من الملائكة وأما الثاني وهو الذي بالقوة من كل الوجوه فهذا محال لأنه في كونه بالقوة ليس بالقوة بل بالفعل . وأما الثالث وهو الذي بالفعل من وجه وبالقوة من وجه آخر فإنه لا يمتنع خروجه إلى الفعل ثم إن خروجه إلى الفعل اما أن يكون دفعة واما أن يكون على التدريج . والأول يسمى كونا لما حدث وفسادا لما زال وبطل . والثاني هو الحركة فعلى هذا الحركة : عبارة عن خروج الشئ في أمر من الأمور ، من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا أو على التدريج أو لا دفعة .