فخر الدين الرازي
17
شرح عيون الحكمة
واما أن تكون غنية عن المادة في الوجود الخارجي وفي الذهن - وهو العلم الأعلى والفلسفة الأولى - وأما القسم الرابع وهو أن تكون محتاجة في الذهن وتكون غنية عنه في الخارج . فذلك محال . لأن على هذا التقدير لا يكون حكم الذهن مطابقا للأمر الخارجي ، فيكون جهلا . ولا عبرة به . واعلم : أن الحكماء أنما جعلوا الأول أدنى ، والثاني أوسط ، والثالث أعلى . وذلك لأن الشرف في الاستغناء ، والنقصان في الحاجة . ولما كان المعلوم بالعلم الأول محتاجا إلى المادة في الخارج وفي الذهن ، كان ذلك غاية الحاجة ، فجعلوه العلم الأسفل . ولما كان المعلوم بالعلم الثاني محتاجا إلى المادة في الخارج لا في الذهن ، كان هذا متوسطا في الغنى والحاجة ، فلا جرم جعلوه متوسطا في المرتبة . ولما كان المعلوم بالعلم الثالث غنيا عن المادة مطلقا ، لا جرم كان ذلك في غاية الشرف ، فلا جرم جعلوه العلم الأعلى . والوجه الثاني في بيان أن العلوم النظرية ثلاثة : هو أن نقول : الشئ اما أن يجب حصوله في المادة ، أو يمتنع حصوله فيها . أو تارة يحصل في المادة وتارة يتجدد عن المادة . أما الذي يجب حصوله في المادة . فاما أن يجب حصوله في مادة معينة ، أو لا يجب ذلك . لكن يجب حصوله في مادة - أي مادة كانت - فأما التعين فغير واجب . فهذه اقسام أربعة : أحدها : الذي يجب حصوله في مادة معينة . والعلم الباحث عنه هو المسمى بالعلم الطبيعي . وثانيها : الذي يجب حصوله في مادة غير معينة . والعلم الباحث عنه هو المسمى بالعلم الرياضى . وثالثها : هو الذي يمتنع حصوله في المادة . والعلم الباحث عنه هو المسمى بعلم الربوبية .