فخر الدين الرازي

134

شرح عيون الحكمة

التفسير : لما كان مذهبه : أن الزمان كم متصل . وكل كم متصل فإنه لمقبل الفصل . ولا معنى للفصل الا حصول طرف لذلك الشئ . ينتج : أن الزمان شئ يمكن أن يحصل له طرف بالفعل . ثم ذلك الطرف قد يكون واصلا أيضا . وقد لا يكون . أما الأول فكما إذا حدثت نقطة في خيط بحيث لا ينفصل احدى جزأى ذلك الخط عن الجزء الآخر منه ، فإنه ليس هناك الا أنه حدثت نقطة بالفعل . فتلك النقطة كما أنها نهاية لأحد قسمي هذا الخط ، تكون بداية للقسم الثاني . فهذه النقطة تكون فاصلة لذاك الخط باعتبار وواصلة باعتبار . أما أنها فاصلة فلأن ذلك الخط كان قبل حدوث هذه النقطة فيه : خطا واحدا ، وعند حدوث هذه النقطة انقسم بقسمين . وأما أنها واصلة فلأن تلك النقطة أوجبت اتصال أحد قسمي هذا الخط بالقسم الثاني منه ، والقسم الثاني غير منقسم . وهو المطلوب الذي يكون فاصلا ولا يكون واصلا . وكما إذا انقطع أحد نصفى الخط عن النصف الآخر ، فان تلك النقطة التي هي نهاية أحد نصفى الخط ، لم توجب اتصال ذلك النصف بالنصف الثاني منه . وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول : قد دللنا على أن الآن الحاضر ، حد يفصل الماضي عن المستقبل ، فيكون هذا الآن فاصلا . الا أنك قد عرفت أن الطرف الفاصل قد يكون واصلا وقد لا يكون . فنقول : انه يستحيل أن لا يكون هذا الآن الفاصل واصلا ، لأنه انما لا يكون واصلا ، لو انقطع الزمان ولم يحدث بعده شئ آخر . وذلك محال ، لأنه لو عدم الزمان لكان عدمه بعد وجوده بعدية بالزمان ، والبعدية بالزمان لا تحصل الا عند حصول الزمان . فثبت : أنه يلزم من مجرد فرض عدم الزمان فرض وجوده . وما أدى عدمه إلى وجوده كان محالا ، فكان فرض عدم الزمان محالا . وإذا ثبت هذا ، ظهر أن كل آن يحدث فإنه فاصل باعتبار وواصل باعتبار آخر . أما انه فاصل فلأنه فصل الماضي عن المستقبل ، وأما أنه واصل فلأنه أوجب اتصال