فخر الدين الرازي
124
شرح عيون الحكمة
بل تكون أمرا متصلا مستمرا . والأول باطل ، لأن الزمان لو كان مركبا من آنات متتالية ، لوجب أن تكون الحركة مركبة من أمور متتالية . كل واحد منها لا يقبل القسمة ، لأن الواقع من الحركة في الآن الواحد ، ان انقسم ، كان وقوع النصف الأول منه متقدما على وقوع النصف الثاني منه ، وحينئذ يكون الآن الذي وقع فيه ذلك القدر من الحركة منقسما . وقد فرضنا أن الآن غير منقسم . فثبت : أن القدر الحاصل من الحركة في الآن الواحد غير منقسم . فلو كان الزمان مركبا من الآنات المتتالية ، لكانت الحركة مركبة من الأمور الغير منقسمة . ولو كان الأمر كذلك ، لكان الجسم مركبا من الأجزاء التي لا تتجزأ . لأن المقدار من المسافة التي يتحرك المتحرك عليها في الآن الذي لا ينقسم بالجزء الذي لا يتجزأ من الحركة . ان كان منقسما كانت الحركة إلى نصفه متقدمة على الحركة من نصفه إلى آخره . وحينئذ تنقسم تلك الحركة وينقسم ذلك الآن . وقد فرضنا أنه ليس كذلك ، فوجب أن يكون ذلك القدر من المسافة غير منقسم . فثبت : الزمان لو كان مركبا من الآنات المتتالية ، وجب أن تكون المسافة مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ ، لكنه بين في الفصل المتقدم : أن القول بالجزء الذي لا يتجزأ باطل ، فكان القول بكون الزمان مركبا من الآنات المتتالية باطلا . فثبت : أن هذه القبليات والبعديات لا يمكن أن تكون دفعات وآنات متتالية غير منقسمة . ولما بطل هذا ، وجب أن تكون هذه القبليات والبعديات متصلة اتصال المقادير . فثبت : أن الزمان كم متصل غير قار الذات . ولقائل أن يقول : هاهنا دلائل أقوى مما ذكرتم ، تدل على أن الزمان لا بد وأن يكون عبارة عن آنات متتالية : ( أما ) الحجة الأولى : فنقول : هذا الآن الذي هو نهاية الماضي وبداية المستقبل ، يمتنع أن يكون قابلا للقسمة ، والا لكان أحد جزئية متقدما على الآخر . ولو كان كذلك لكان عند حضور النصف الأول منه ، لا يكون النصف الثاني حاضرا . وعند مجىء النصف الثاني منه ، يكون النصف الأول فانيا . فثبت : أن كل ما كان منقسما يمتنع أن يكون حاضرا . وهذا ينعكس انعكاس النقيض ( وهو ) أن كل ما كان حاضرا ، فإنه يمتنع