فخر الدين الرازي
60
شرح عيون الحكمة
من الأجزاء . وإذا كان مرادنا بالذاتي جزء الماهية ، ثبت أن البسيط لا ذاتي له البتة . وأما الماهية المركبة ، فلا شك أنها من حيث هي هي ، انما تحققت من تلك الأجزاء ، فيكون كل واحد من تلك الأجزاء ذاتيا لها ، بمعنى كونه جزءا من قوام تلك الماهية . وإذا عرفت هذا فنقول : الجزء متقدم على الكل في الوجود وفي العدم . أما في الوجود فلأن وجود المركب موقوف على وجود الفرد ، ووجود المفرد غير موقوف على وجود المركب ، فإنه قد يعقل حصول المفرد منفكا عن حصول المركب . وأما في العدم فإنه ما لم يعدم جزء من أجزاء المركب ، أو كل واحد من أجزائه ، فإنه يمتنع عدم ذلك المركب . فثبت : أن عدم المركب موقوف على عدم أجزائه . ثم هاهنا بحث : وهو أن في جانب الوجود ما لم توجد كل تلك الأجزاء ، امتنع وجود المركب . وأما في جانب العدم فإنه لا يتوقف عدم المركب على عدم جميع أجزاء ذلك المركب ، بل أي جزء من تلك الأجزاء عدم ، فإنه يكفى عدمه في عدم ذلك المركب . ألا ترى أن البيت إذا خرب فان الذي عدم ليس الا الشكل والهيئة ، فأما الأجزاء المادية فكلها باقية . ثم إن عدم الجزء العافرى كفى في عدم البيت . فثبت بما ذكرناه : أن في جانب الوجود لا يوجد المركب الا عند وجود جميع أجزائه . وأما في جانب العدم ، فإنه يكفى في عدم جزء واحد من أجزاء ماهيته . فثبت بما ذكرناه : أن المفرد متقدم على المركب في الوجود الخارجي والعدم الخارجي . فندعى أن الأمر كذلك أيضا في الوجود الذهني ، وهو أن العلم بجزء الماهية سابق على العلم بكلها . والدليل عليه : أن الماهية لما كانت عبارة عن تلك الأجزاء ، وجب أن يكون العالم بالماهية عالما بتلك الأجزاء . إذ لو كان عالما بأمر مغاير لها ، أو المغاير لها مغاير لتلك الماهية ، فحينئذ يكون العلم بتلك الماهية علما بغيرها . وهو محال .