فخر الدين الرازي
40
شرح عيون الحكمة
أما بعد فان كتاب « عيون الحكمة » كتاب أخباره ، سطرت في صفائح المفاخر ، وكتبت على جبهة الفلك الدائر . وهو في الحقيقة كالصدفة المختومة على غرر مباحث القدماء ، والمحيطة بجوامع كلمات الحكماء . فسألني بعض الأعزاء من الأصحاب ، والخلص من الأحباب . وهو « سيدي الحكيم . محمد بن رضوان . بن محمد . بن ملك تنكروان » تفسير مشكلاته ، وايضاح معضلاته ، والتفحص عن كيفية بيناته ، والتصفح لمآديه وغاياته . فاحجمت عنه لأمور : أحدها : أن هذا الكتاب درة لم تثقب ، ومهرة لم تركب ، ولم يتعرض لتحليل تركيباته أحد من الأفاضل ، ولم يتشمر لهذا المقصود أحد من الأواخر والأوائل . فكيف أقدر على سكر مسيل البحر المتلاطم ، وسد طريق العارض المتراكم ؟ وثانيها : أنى مخالف لمقتضى هذا الكتاب ، في دقيقه وجليله ، وجمله وتفصيله . فان جررت عليها ذيل المداهنة والمهادنة ، صرت كالراضى بتوجيه العباد إلى مسالك الغى والعناد ، وان تشمرت للكشف والبيان ، وقعت في ألسنة الخزي والخذلان . وثالثها : ان هذا الكتاب ، مع أنه في أصله ، غير مبنى على المنهج القويم ، والصراط المستقيم ، قد اتفقت له آفة أخرى . وهي : أنه كتاب صغير الحجم . وفي اعتقاد الجمهور : أنه كثير العلم ، بسبب أن مصنفه في هذا العلم ، عظيم الاسم . فلهذا السبب ، عظم حرص الجمهور على معرفة أسراره ومعانيه ، وقويت رغباتهم في الاطلاع على حقائقه ومبانيه .