فخر الدين الرازي
237
شرح عيون الحكمة
من المجيب ، وان لم تكن مشهورة فمعناه : ان المجيب الجدلي انما يركب قياسه من المشهورات ، والسائل الجدلي ، انما يركب قياسه عن مقدمات يتسلمها من المجيب سواء كانت مشهورة أو غير مشهورة . فتعويل المجيب على المشهورات ، وتعويل السائل على المسلمات . ثم قال : « والمشهورات التي ليست بأولية فإنما تصير عند الجمهور كالأوليات بسبب التمرن والاعتياد » واعلم : أن هذه إشارة إلى أن هذه المشهورات قد تبلغ في القوة والتأكد إلى أن تصير مساوية للاوليات في القوة ، وأن سبب هذه القوة والتأكد هو التمرن والاعتياد . ثم ذكر ما يجرى مجرى الدليل على أن هذه القوة انما حصنت بسبب التمرن والاعتياد . فقال : « لو توهم الانسان نفسه خلق في الخلقة الأولى عاقلا ( كما هو ) وشكك ( نفسه ) فيها ، أمكنه أن يشك وأن لا يشك في الأوليات » ومعناه : أن الدليل على هذه القوة في المشهورات : انما كانت بسبب الاعتياد ، لأن الانسان إذا فرض نفسه كان خلق الآن ، ولم يمارس ألفا وما شاهد قوما ، ثم إنه عند هذا الفرض يعرض على نفسه أن الظلم قبيح أم لا ؟ ويعرض على نفسه أن الواحد هل هو نصف الاثنين أم لا ؟ وجد نفسه عند هذا الفرض شاكة في القضية الأولى ، وقاطعة في الثانية . فدل ذلك على أن الجزم الحاصل في القضية الأولى انما حصل بسبب الألف والعادة . واعلم : أن هذا هو الذي عول عليه « الشيخ » في الفرق بين المشهورات وبين الأوليات . وقد ذكرناه في كتاب « البرهان » وأوردنا عليه الأسئلة الكثيرة .