فخر الدين الرازي

215

شرح عيون الحكمة

ثم هاهنا دقيقة : وهي أنه فرق بين أن يقال : الأوسط علة لحصول الأكبر في نفسه ، وبين أن يقال : الأوسط علة لحصول الأكبر في الأصغر . فانا لو فرضنا أن الأوسط يكون معلولا لوجود الأكبر ، الا أنه يكون علة لحصول ذلك الأكبر الذي هو علته في الأصغر . فههنا البرهان يكون برهان اللم . لأجل أن الأوسط وإن كان معلولا لوجود الأكبر . الا أنه علة لحصول ذلك الأكبر في الأصغر . وأما القسم الثاني : وهو أن لا يكون الأوسط علة لحصول الأكبر في الأصغر فهذا هو المسمى ببرهان الان . كقولنا : هذه الخشبة محترقة ، وكل محترق فقد مسته النار . فان كونه محترقا ، ليس علة لتعلق النار به ، بل معلولا له . وإذا عرفت هذين القسمين فنقول : القسم الأول أقوى من القسم الثاني . وبيان هذه القوة من وجهين : الأول : أن برهان اللم حصل فيه كون الأوسط ، علة لحصول الأكبر في الأصغر في الذهن وفي الخارج معا . وأما برهان الان ( فقد ) حصلت فيه هذه العلة في الذهن لا في الخارج ، فلا جرم كان برهان اللم أقوى . الثاني : ان دلالة العلة على المعلول أقوى من دلالة المعلول على العلة . * * * قال الشيخ : « البرهان في العلوم انما يتألف من مقدمات ذاتية المحمولات أي محمولاتها أمور مقومة لموضوعاتها كالحيوان للانسان أو خاصية لها أو لجنسها من غير أن يعم ( جنسها ) كالاستقامة للخط والمساواة له . والكبريات في البراهين أكثرها من الأمور الذاتية بالمعنى الثاني » التفسير : اتفقوا على أن أجزاء العلوم البرهانية ثلاثة : الموضوعات ، والمطالب ، والمبادي . والمراد من المبادي : المقدمات التي بها يبرهن على