فخر الدين الرازي

208

شرح عيون الحكمة

بقسمين متساويين ، فحينئذ يكون العلم بكونها قابلة للانقسام بقسمين متساويين ، هو نفس العلم بكونها زوجا . وحينئذ يبطل هذا الكلام فان قالوا : الزوجية ليست عبارة عن نفس قبول الانقسام بقسمين متساويين ، بل عن كيفية أخرى مخصوصة لازمة لهذه الحال . فنقول : فإذا كان المراد من الزوجية ، ما ذكرتم ، فلا نسلم أن هذه الحالة متصورة ، فضلا عن أن يكون مصدقا بها ، فضلا عن أن يكون ذلك التصديق تصديقا بديهيا . فانا لا نعقل من الزوجية الا مجرد أنها تقبل الانقسام بقسمين متساويين . * * * النوع الرابع من المقدمات التي قيل : انها من المبادي : المتواترات . وهي كقولنا : ان « مكة » موجودة . واعلم : أن « الشيخ » لم يستقصى في شيء من كتبه الكلام في حقيقة الخبر المتواتر . قال الشارح : للمتواتر شرطان : أحدهما : أن يكون المخبرون قد أخبروا عن وجود أمر محسوس . مثل أن يقولوا : رأينا محمدا . وسمعنا منه ادعاء النبوة . أما لو أخبروا عن أمر محسوس ، لم يفد هذا الاخبار العلم . وذلك لأن ذلك الأمر إن كان معلوم الصحة في بديهة العقل ، كانت صحته معلومة من بديهة العقل ، لا من ذلك الخبر ، وان لم يكن معلوم الصحة في بديهة العقل ، لم يفد ذلك الاخبار علما . فان أهل المشرق والمغرب . لو اتفقوا على الاخبار عن حدوث العالم ، لم يحصل العلم بذلك الا بالدليل . والشرط الثاني : بلوغ المخبرين في الكثرة إلى حيث يمتنع اتفاقهم على الكذب . واعلم : أنه ليس لتلك الكثرة حد معين . وذلك أن كل عدد يفرض . فان العقل يحكم بأنه لما جاز الكذب على ذلك العدد بنقصان واحد ، كذلك يجوز الكذب على ذلك العدد . وأنه لا يتفاوت حال هذا الجواز بسبب نقصان واحد وزيادته . وإذا عرفت هذا فنحن لا نستدل بحصول كمال العدد على حصول العلم ، بل نستدل بحصول العلم على حصول كمال العدد .