فخر الدين الرازي
200
شرح عيون الحكمة
الأول : ان أقصى ما في الباب : اما بفرض زوال الأخلاق والعادات عن أنفسنا الا ( أن ) فرض الخلو يوجب حصول ذلك الخلو ، فان قاسى القلب إذا فرض في نفسه رحيما ، فإنه لا يصير رحيما بسب هذا الفرض . فإذا سلمت أن حصول الألف والعادة مما يوجب قياس « 5 » الأوليات بغيرها ، ثم انا إذا بينا أن فرض زوال الألف والعادة لا يوجب روالها ، فحينئذ نقول : انا وان فرضنا زوال الألف والعادة وسائر الأمور الخارجة ، فلعلها ما زالت بل بقيت . وعلى تقدير البقاء فالموجب للتهمة باق عند هذا الفرض ، فوجب أن لا تزول هذه التهمة . الثاني : هب أن فرض الزوال يوجب حصول الزوال ، لكنه ربما حصل في النفس أخلاق كثيرة ، ولا يكون عند الانسان شعور بحصولها ، وإذا لم يكن له شعور بحصولها ، امتنع عليه أن بفرض ازالتها عن نفسه . ومع قيام هذا الاحتمال ، كان بقاء سبب هذا الغلط قائما على سبيل الاحتمال ، فوجب أن تزول التهمة . الثالث : ان العلم بأن هذا الطريق الذي ذكرتم يوجب الفرق بين الأوليات وبين المشهورات ، يحتمل أن يكون من باب القضايا الحقة ، ويحتمل أيضا أن يكون من باب المشهورات فيفتقر امتياز هذا الطريق الذي ذكرتم عن المشهورات إلى طريق آخر . ويلزم التسلسل . وهو محال . الرابع : ان « 6 » هذا الطريق الذي ذكرتم في الفرق بين هذين البابين ليس معلوما بالبديهة ، بل لا يعلم الا بالفكر والنظر الدقيق . فالقول بأن البديهات لا تتميز عن المشهورات الا بهذا الطريق ، توقيف للحكم بصحة البديهيات على النظريات . لكن النظريات موقوفة على البديهيات . فيلزم الدور ، ويلزم سقوط البديهيات والنظريات معا عن الاعتبار .
--> ( 5 ) القياس : ص . ( 6 ) أيضا : أن : ص .