فخر الدين الرازي
190
شرح عيون الحكمة
فلا جرم لا يمكن الاستدلال بعدم واحد منهما على وجود الآخر ولا على عدمه . وأما المنفصلة التي تمنع الخلو ولا تمنع الجمع ، فههنا يلزم من استثناء نقيض أيهما كان وجود الآخر ، لأنا لما حكمنا بأن ارتفاع الطرفين محال ، لزم من ارتفاع أحدهما الجزم بحصول الآخر ، لأن عند ارتفاع أحد الطرفين لو ارتفع الطرف الثاني ، فحينئذ يكون الطرفان قد اجتمعا على الارتفاع . وذلك محال . أما ( أن ) استثناء وجود أيهما كان ، لا ينتج شيئا . لأنا لما حكمنا بأن اجتماعهما جائز ، لم يلزم من وجود أحدهما لا وجود الآخر ولا عدمه . فلا جرم لا يمكن أن يستدل بوجود واحد منهما ، لا على الآخر ولا على وجوده . * * * قال الشيخ : « قياس الخلف هو أن نأخذ نقبض المطلوب ، ونضيف اليه مقدمة صادقة على صورة قياس منتج . فينتج شيئا ظاهر الإحالة ، فنعلم أن سبب تلك الإحالة ليس تأليف القياس ، ولا المقدمة الصادقة ، بل سببها إحالة نقيض المطلوب . فاذن هو محال . فنقيضها حق » التفسير : هاهنا كلام واضح معلوم . وتحقيقه : أن قياس الخلف : هو الاستدلال بامتناع لازم أحد النقيضين على امتناع ذلك النقيض . ثم بامتناع ذلك النقيض على صحة نقيض الآخر ، وعلى صحة أحد الأمور الداخلة في ذلك النقيض . وأما صورة هذا القياس : فهي أن تأخذ نقيض المطلوب ، وتضيف اليه مقدمة صادقة وتركبها على صورة قياس منتج ، فتنتج نتيجة ظاهرة الامتناع ، فيعلم أن سبب ذلك الامتناع ، ليس تأليف القياس ولا المقدمة الصادقة ، لأن الحق لا يستلزم الباطل . فعلمنا : أن سبب لزوم ذلك المحال : هو نقيض المطلوب ، وذلك النقيض باطل ، فنقيض هذا النقيض - وهو المطلوب - حق . وإنما سمى هذا القياس بقياس الخلف لوجهين :