فخر الدين الرازي

168

شرح عيون الحكمة

فان قال قائل : إذا كان كلما صدق عليه الأصغر ، صدق عليه الأوسط ، لزم أن يصدق على الأصغر كلما صدق على الأوسط . ولما كان الأكبر أحد الأشياء التي صدقت على الأوسط ، لزم صدقه أيضا على الأصغر . فثبت : أن الكبرى كما أنها مشعرة بالنتيجة ، فكذلك الصغرى مشعرة بها أيضا . فالحاصل : أن الكبرى دلت على أن الأكبر حاصل لكل ما حصل له الأوسط . ولما كان الأصغر أحد الأمور التي حصل لها الأوسط ، كان الحكم بالأكبر على الأوسط حكما بالقوة على الأصغر . والصغرى لما كانت قد دلت على حصول الأوسط للأصغر ، كان ذلك حكما بالقوة على أن ما كان محمولا على الأوسط ، فإنه يكون أيضا محمولا على الأصغر ، فيلزم منه أيضا حمل الأكبر على الأصغر . فثبت : أنه لا تفاوت بين الجانبين . الجواب : هذا الاشعار في جانب الكبرى أتم . وذلك لأنا إذا قلنا في الكبرى : كلما ثبت له الأوسط ، فإنه ثبت له الأكبر ، كان معناه : أن كل واحد واحد من الأمور التي حصل لها الأوسط ، فإنه يحصل له الأكبر . ولما كان الأصغر أحد تلك الأمور ، كان الأصغر مندرجا تحت هذا اللفظ . أما في جانب الصغرى فاللفظ انما دل على حصول الأوسط للأصغر ، ولا دلالة فيه على حصول الأكبر للأصغر ، وان كان ذلك لازما في نفس الأمر . فالحاصل : أن اللزوم العقلي حاصل في الجانبين . لكن الكبرى مختصة بالدلالة اللفظية من بعض الوجوه . فظهر الترجيح . الوجه الثاني في بيان التفاوت : هو أن عند كذب الكبرى بالكلية ، بممتنع بقاء النتيجة ، ومع كذب الصغرى بالكلية ، لا يمتنع بقاء النتيجة . فكانت الكبرى أقوى . بيان الأول : أنا إذا قلنا : كل انسان ناطق ، وكل ناطق جماد ، فهذه الكبرى كاذبة بالكلية . والحق في نفس الأمر : هو أنه لا شئ من الناطق بجماد ، فحينئذ يكون القياس الحق في نفس الأمر هكذا : كل انسان ناطق ، ولا شئ من الناطق بجماد ، ينتج : فلا شئ من الانسان بجماد . وإذا ثبت أن هذا هو الحق ، فحينئذ يمتنع أن يحصل قياس آخر ، ينتج : أن كل انسان جماد . فثبت : أنه متى كانت الكبرى