فخر الدين الرازي

158

شرح عيون الحكمة

كان عكسها دائما لكان عكس عليها وهو الأصل دائما ، لأن عكس الدائم وعكس العكس هو الأصل ، فيلزم أن يكون اللادائم دائما . هذا خلف . واعلم : أن على قولنا : السالبة الدائمة تنعكس كنفسها سؤالا ، وهو أن نقول : المختار عند « الشيخ » أن الموجبة الضرورية قد تنعكس في بعض المواد ممكنة خاصة ، وفي مواد أخرى تنعكس ضرورية . فيكون الواجب هو القدر المشترك وهو الممكنة العامة . وانما قلنا : أن الموجبة الضرورية قد تنعكس في بعض المواد ممكنة خاصة ، لأن قولنا : كل كاتب انسان مقدمة ضرورية ، ثم عكسها وهو قولنا : بعض الناس أو كل الناس كاتب ، قضية ممكنة خاصة لا ضرورية ، فإنه لا ضرورة في كون أحد من الناس كاتبا ، ولا في شئ من الأوقات . فهذا كلام قرروه في الكتب ، واتفق المتأخرون على صحته . وعند هذا أقول : لما ثبت أنه لا ضرورة في كون أحد من الناس كاتبا لا دائما ولا بحسب وقت ولا بحسب شرط ، بل كان قولنا : الانسان كاتب من باب الممكن الأخص . وهو الممكن العاري عن جميع جهات الضرورة . فعند هذا نقول : كل ما كان ممكنا لم يلزم من فرض وقوعه البتة محال ، فلنفرض سلب الكتابة عن الناس دائما ، وبتقدير هذا الفرض ، يصدق قولنا : دائما لا شئ من الناس بكاتب . فهذه سالبة دائمة ، مع أن عكسها ليس بحق ، بل الحق أن كل كاتب انسان بالضرورة . وهذا يقتضى الجزم بأن السالبة الدائمة لا يجب أن تنعكس سالبة دائمة . فان نازع منازع في هذا المثال نجيبه بأن نجعل هذا الكلام كليا . وهو أنه ليس بمستبعد فرض شيئين يكون أحدهما مشروطا بالآخر ، ويكون الآخر جائز الانفكاك عن الأول . مثل : الحياة والألم فان الألم مشروط بالحياة ، والحياة لا يمتنع تقررها منفكة عن الألم . وإذا كان كذلك فإنه لا يمتنع صدق قولنا : دائما لا شئ من الحيوان بمتألم ، مع أن عكسه وهو قولنا : كل متألم حيوان موجبة ضرورية . فهذا شك لا بد فيه من التأمل . * * *