ابن باجة
29
كتاب النفس
ويتبين ان النفس من المتفقة أقوالها . فان قولنا « استكمال » يقال بتشكيك « 1 » ، وكذلك قولنا « جسم » وكذلك قولنا « آلة » ؛ فالنفس إذا يقال لها بالنحو من التشكيك الذي يقال به الضعيف والكثير وما جانه . فلذلك يجب أن نفصل فيقال ان النفس الغاذية هي استكمال الجسم الآلي المغتذي ، والحسّاسة استكمال الجسم الآلي الحاس ، والمتخيلة هي استكمال الجسم الآلي المتخيل . وأما الناطقة فالنفس يقال عليها بنوع من الاشتراك أظهر من هذه . وكل علم على ما يقوله أرسطو حسن جميل « 2 » . غير أن بعضه أشرف من بعض ، وقد عددت مراتب شرف العلوم في مواضع كثيرة . والعلم بالنفس يتقدم سائر العلوم الطبيعية والتعاليمية بأنواع الشرف كلها . وأيضا فان كل علم مضطر إلى علم النفس « 3 » فلبس يمكننا الوقوف على مبادئ العلوم ما لم نقف على النفس ونعلم ما هي بالحد على ما بيّن في مواضع أخر . وأيضا فإن من الأمور الذائعة أن من لا يوثق بأنه يعرف حال نفسه فهو أخلق أن لا يوثق به في معرفة غيره . ونحن إن لم نعرف حال أنفسنا وما هي وإن لم يتبين لنا ما يقال فيها هل قيل على الصواب أم لا يوثق « 4 » بذلك ، فنحن أحرى أن لا نثق بما يتبين لنا في سائر الأمور . وأيضا فإن العلم بالنفس يكسب للناظر قوة على أخذ مقدمات لا بكمل العلم الطبيعي دونها . وأما الحكم المدنية فلا يمكن أن يكون القول فيها على نظام قبل المعرفة بأمر النفس .
--> ( 1 ) الاسم إن كان حصول معناه في بعض الإفراد أولى وأشد من الآخر كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن فهو عند المنطقيين مشكك ، والحال تشكيك ومعناه اظهار الشك ويستعمل للاشتراك والابهام ، انظر محمد على التهانوي : كشاف اصطلاحات الفنون ، ص 780 ، أيضا Goichon : Lexique p . 261 . ( 2 ) قارن أرسطو : Arist , De Anima . I . 1 . 204 a . ( 3 ) قارن أرسطو Arist : De An . I . 1 . 204 a 4 . ( 4 ) المخطوطة : لا وثيق .