فخر الدين الرازي

63

شرح الفخر الرازى على الاشارات

هو محل القوة كان موجودا أولا ثم حلت القوة فيه ثانيا فإذا جاءت الصورة الأخرى كانت القوة غنية عن الحلول فيها وأيضا فالجسم الواحد قد يحل فيه اعراض كثيرة موجودة ولا شك أن وجود كل واحد منها زائد على ماهيته وإذا كانت تلك الاعراض قائمة بأسرها بذلك المحل لزم اجتماع وجوداتها في ذلك المحل فيلزم اجتماع المثلين وهو محال وان قالوا إن كل واحد من تلك الوجودات عارض لماهية أخرى فيحصل الامتياز بسبب ذلك فنقول ولم كان بعض الوجودات بان يكون عارضا لبعض تلك الماهيات بأولى من العكس ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون الشيء محلا لتلك القوة العاقلة وشيء آخر يكون حالا فيه ثم لئن نزلنا عن كل هذه المقامات ولكن هذه الحجة تقتضى أن تكون النفس عالمة بجميع صفاتها ولوازمها أبدا لان علمها بلوازمها اما أن يكون مغايرا لحصول تلك اللوازم واما أن لا يكون والأول يلزم منه اجتماع المثلين بل هذا الكلام هاهنا أمكن وأمتن لان تلك اللوازم والعلم بها حالان في النفس الناطقة فيكون اجتماع المثلين حاصلا وأما فيما ذكرتموه فقد بينا أن أحد المثلين محل والآخر حال وأما الثاني فاما أن يكون حصول تلك اللوازم كافيا في ادراك النفس الناطقة لها فيلزم أن تكون مدركة لها أبدا واما أن لا يكفى فحينئذ يجب أن لا يدركها أبدا فثبت أن الذي ذكروه يوجب عليهم ما ألزمناه ولنرجع إلى التفسير أما قوله لو كانت القوة العقلية منطبعة في جسم من قلب أو دماغ لكانت دائمة التعقل له وكانت لا تتعقل البتة فالمراد من هذه الشرطية ظاهر وأما قوله لأنها اما أن تتعقل لحصول صورة المتعقل بها فالمراد منه الدلالة على تلك الشرطية وبناء تلك الدلالة على أن التعقل لا يكون الا لحصول صورة المعقول للعاقل وأما قوله فان استأنفت تعقلا بعد ما لم يكن إلى قوله وقد سبق بيان فساد هذا فالمراد منه أن القوة العاقلة لو عقلت ذلك الجسم بعد أن لم تعقله فلا بدّ وأن يكون بحصول صورة مساوية لذلك الجسم في القوة العاقلة وتلك الصورة لا بد وأن تكون مغايرة لذلك الجسم لان ذلك الجسم قد كان موجودا قبل حدوث هذه الصورة وكل ما كان موجودا قبل وجود غيره فهما متغايران وحينئذ يلزم منه اجتماع المثلين وهو محال وأما قوله فاذن هذه الصورة التي بها تصير القوة المتعقلة متعقلة إلى آخره فالمراد منه أن تعقل هذه القوة لذلك الجسم لا يكون الا نفس حضور ذلك الجسم عندها فان كفى هذا الحصول في التعقل وجب حضور التعقل أبدا وان لم يكف وجب ان لا يحصل أبدا كما مر تقريره ( تكملة للإشارات [ في بيان بقاء النفس على كمالاتها الذاتية بعد مفارقة البدن ] فاعلم من هذا أن الجوهر العاقل مثاله أن يعقل ذاته