فخر الدين الرازي
59
شرح الفخر الرازى على الاشارات
الشيخوخة لما وقع الاختلال أيضا في ذلك القدر المعتبر لا جرم اختلت القوة العاقلة حينئذ وإذا كان هذا الوجه محتملا سقط الاستدلال ومما يحقق ذلك وهو ان المعتبر في بقاء القوة الحيوانية قدر من الصحة بحيث لو اختل ذلك المقدار لما بقيت القوة الحيوانية والزائد على ذلك القدر غير معتبر فيه حتى أن تلك الزيادة سواء وجدت أو زالت فان القوة الحيوانية باقية وإذا عقل ذلك في القوة الحيوانية التي هي جسمانية بالاتفاق فلم لا يجوز مثلها في القوة العاقلة لا يقال هب ان ما ذكرتموه محتمل لكنا نرى القوة العاقلة قد يزداد كمالها وقوتها في زمان الكهولة فمن أين حصل ذلك الكمال حال اختلال البدن لأنا نقول هذا أيضا وارد عليكم لان ذات النفس الناطقة موجودة في الأحوال كلها واستكمالها انما يكون بسبب القوى البدنية فكيف حصل في زمان اختلالها فعلمنا ان هذا الاشكال مشترك ثم الجواب عنه على القولين واحد وهو ان زمان الكهولة زمان حصلت فيه العلوم الكثيرة للقوة العاقلة والقوة العاقلة باقية على كمال قوتها فتستعين القوة العاقلة بتلك العلوم فلا جرم صارت في هذه الحالة أكمل وأكثر علما ( زيادة تبصرة [ في تقرير الحجة الثانية على تعقل النفس بذاتها لا بالآلات ] تأمل أيضا ان القوة القائمة بالأبدان يكلها تكرر الأفاعيل لا سيما القوية وخصوصا إذا انبعث فعلا فعلا على الفور وكان الضعيف في مثل تلك الحال غير مشعور به كالرائحة الضعيفة اثر القوية وأفعال القوة العاقلة قد يكون كثيرا بخلاف ما وصف ) التفسير هذه حجة أخرى على أن القوة العاقلة في ذاتها وفي تعقلاتها غنية عن البدن وتقريرها ان القوى البدنية لها خاصيتان إحداهما أنها يكلها تكرر الافعال القوية لا سيما إذا فعلت فعلا بعد فعل على الفور وذلك معلوم بالاستقراء وثانيهما القوى المدركة البدنية لا يشعر بالمدرك الضعيف حال شعورها بالمدرك القوى فان الباصرة لا تدرك الشعلة في مقابلة قرص الشمس والسامعة لا تسمع الصوت الضعيف عند سماع الرعد والبوقات وكذا القول في سائر الحواس وإذا ثبت ذلك فنقول انا نرى أحوال القوة العاقلة بخلاف سائر القوى في هذين الامرين فإنها لا تكل عند كثرة التعقلات بل كأنها كلما عقلت أكثر كانت قوتها على تحصيل سائر المعقولات أتم وادراكها للمعقولات القوية لا يمنعها عن ادراك المعقولات الضعيفة فعلمنا أن القوة العاقلة غير جسمانية ولقائل أن يقول القوة العاقلة مخالفة بالنوع لسائر القوى فلم لا يجوز اختصاص أحد النوعين لخاصيات لا توجد في سائر الأنواع وان كانت هذه القوى بأسرها مع