فخر الدين الرازي
48
شرح الفخر الرازى على الاشارات
سماوي وقد عرفت أن المعلولين لا يصدر ان عن علة واحدة الا لما فيها من الكثرة فينبغي أن يعرف الكثرة التي في العقل الأول لكن لا كثرة فيه الا انه ممكن بذاته واجب بالأول وانه يعقل ذاته ويعقل الأول فيكون بكونه عاقلا للأول واجبا به علة شيء وبما له من ذاته وهو الامكان علة لشيء آخر ولا استحالة في أن يكون في جوهر العقل الأول هذا النوع من الكثرة لأنه ممكن بذاته فلا امتناع في تقومه بمقومات وكيف لا نقول ذلك وهو ممكن لذاته واجب بغيره ثم إذا ظهر هذان الاعتباران في العقل الأول وجب استناد العقل والفلك اليهما ثم يجب أن يكون الامر الصوري مبدأ للمعلول الصوري والامر الا شبه بالمادة علة للمعلول الا شبه بالمادة فيكون لكونه عاقلا للأول واجبا به علة للعقل الثاني وبالاعتبار الآخر وهو كونه ممكنا لذاته علة للفلك واعلم أن هذا الكلام أوهن من بيت العنكبوت وهو ركيك جدا وقد استقصينا الكلام في شرح ركاكتها في سائر كتبنا الا أنا نشير هاهنا إلى بعض النكت فنقول كلام الشيخ في هذا الفصل مخبط في هذا الكتاب وفي سائر كتبه لان كلامه مشعر تارة بأنه انما يصدر عقل وفلك عن العقل الأول لما فيه من الامكان لذاته والوجوب بغيره وتارة بأنه يعقل نفسه ويعقل غيره ولقد كان من الواجب عليه أن يفصل القول فيه ويبين أن لصدر المعلولين هو الامكان أو الوجوب أو علمه بذاته أو علمه بعلته فان المجمجمة غير لائقة بهذا الموضع ونحن نتكلم بعون اللّه على القسمين معا فنقول ان الامكان والوجوب بالغير ولوجود شيء من هذه الثلاثة لا يصلح للعلية اما الامكان فلوجوه الأول هو أن الامكان ليس أمرا وجوديا وما لا يكون موجودا لا يكون علة للموجود اما الصغرى فقد مر تقريرها في النمط الخامس والذي نريده الآن أن نقول لو كان الامكان أمرا وجوديا لكان اما أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته والأول باطل ولا لكان واجب الوجود أكثر من واحد وأيضا فلان الامكان صفة مفتقرة إلى الموصوف والمفتقر إلى الغير لا يكون واجبا لذاته وان كان ممكنا فاما أن يفتقر إلى علة أولا يفتقر إلى علة فإن لم يفتقر إلى علة فقد استغنى الممكن عن العلة وذلك سد باب اثبات واجب الوجود وان افتقر فعلته اما الباري واما العقل الأول واما شيء ثالث والأول باطل لان الباري تعالى علة لوجود العقل الأول فلو كان أيضا علة لوجود ذلك الامكان لكان قد صدر عنه معلولات وذلك يهدم قاعدة هذا الباب والثاني أيضا باطل لأن علة الشيء لموجود متقدمة بالوجود على المعلول عندهم فلو كان العقل الأول علة لامكان نفسه لزم أن يكون وجوده سابقا على امكانه وذلك محل لان وجوده من غيره وامكانه من ذاته وما بالذات أقدم مما بالغير والثالث أيضا باطل لان ما عدا الباري تعالى والعقل الأول معلول العقل الأول فيلزم أن يكون معلول العقل الأول علة لامكانه فيلزم أن يكون امكانه متأخرا عن وجوده بمراتب وهو محال فثبت ان الامكان لا يمكن أن يكون أمرا وجوديا واما بيان الكبرى فهو أن العدم لصرف يستحيل أن يكون علة للموجود أو جزأ منها إذ لو جاز ذلك لجاز اسناد جميع