فخر الدين الرازي

20

شرح الفخر الرازى على الاشارات

غير علة وجود الوصول وثالثها وهو أن من الأشياء ما يستحيل حصوله في الآن مثل المفارقة والحركة فان ماهيتهما لا توجد في الآن ومنها ما لا يمكن حصوله الا في الآن لمماسة نقطة أو خط فإنهما لا توجدان الا في الآن وهذه المماسة هي التي سميناها بالوصول ومتى ثبت أن الوصول آنى الوجود وثبت أن القوة المحركة لا بد وأن تكون موجودة حال الوصول ثبت أن القوة المحركة باقية في ذلك الآن ورابعها وهو أن صيرورة القوة لا موصولة أيضا مما يحصل في الآن ويبقى في جميع الزمان الذي بعده فاما حركته عن ذلك الحد ومفارقته عنه فهي غير آنية البتة لما عرفت وإذا عرفت هذه المقدمات فنقول هاهنا آنان في أحدهما تكون القوة المحركة للجسم إلى الحد المعين موصلة له اليه بالفعل في الثاني يصير غير موصلة إذ من المستحيل أن يكون آن كونها موصلة عين آن كونها غير موصلة فإذا لم يكن بين الآنين زمان لزم تتالى الآنات وهو محال وان كان بينهما زمان فهو زمان السكون وهو المطلوب فثبت أن بين كل حركتين مستقيمتين سكونا وإذا ثبت ذلك ظهر أن الحركة الحافظة للزمان هي الحركة الدورية بناء على المقدمات التي لخصناها واعلم أن حاصل هذه الدلالة أن القوة التي تحرك الجسم إلى حد معين تصير موصلة اليه في آن وغير موصلة اليه في آن آخر ولا بد بينهما من زمان ثم إن الشيخ في الشفاء حكى غير منكري السكون انهم أوردوا على هذه الحجة نقضين أحدهما انا إذا ركبنا كرة على دولاب دائر وفرض فوقها سطح بسيط بحيث تلقاها عند الصعود فان الكرة تصير مماسة لذلك السطح ثم تصير لا مماسة له فيلزم أن يحصل هناك سكون متخلل بين الآنين والثاني أن المسافة إذا حصل فيها نقطة بالفعل اما بان صار بعضها أسود وبعضها أبيض أو بان كان أجزاؤه مقصودة على التماس فيلزم حصول الوقفات عند كل واحد من تلك الحدود وحاصل جواب الشيخ عن السؤالين التزام وجوب السكون فيهما ولقائل أن يقول رجل لا يماس كرة الثوابت الا إذا كان على ذروة التدوير حال كون التدوير على أوج الحامل وتلك المماسة لا تحصل الا بنقطة واحدة فتلك النقطة صارت مماسة في آن ولا مماسة في آن آخر فيلزم أن يتخللها سكون وذلك عندكم باطل وهذا الالزام وارد في مماسه كل كوكب نقطة معينة في الفلك المحيط بفلكه حال كونه على ذروة التدوير والتدوير على أوج الحامل أو نقطة معينة من الفلك المحاط به حال كونه في حضيض تدويره وتدويره في حضيض حامله فان قالوا هذه الالزامات انما تتوجه لو قلنا بان الفلك الخارج المركز مماس أعلى الممثل بنقطة وأدناه بنقطة أخرى ونحن لا نقول بهذا بل نقول إن الحامل عائد في ثخن الممثل وكذا لا نقول إن الكواكب تماس سطح فلك التدوير بنقطة بل هو عائد فيه فنقول أما أولا فهذا رجوع منكم عن مذهب مشهور لكم وأما ثانيا فلانا نلزمكم هذا الكلام في كسف بعض الكواكب بعضا فان للكاسف مع المكسوف مسامتات أربع بالنقط فاولها ابتداء الكسوف ثم تمام الكسوف ثم ابتداء الانجلاء ثم تمام الانجلاء وهذه الأحوال الأربعة انما تحصل بمسامتات الأطراف وهي أمور آنية فتوجه الالزام المذكور وأيضا فوصول مركز الشمس إلى مسامتة نقطة الاعتدال الربيعي يكون في الآن ثم زوال تلك المسامتة في آن آخر وهو يوجب الاشكال المذكور لا يقال نقطة الاعتدال الربيعي موجودة بالقوة لا بالفعل لأنا نقول هذا خطأ لان الشيخ اعترف بان حركة الكرة علة لحصول منطقتها بالفعل وإذا كان كذلك كانت منطقة الفلك الأعظم ومنطقة فلك الثوابت دائرتين موجودتين بالفعل وكانت نقطة التقاطع بينهما موجودة بالفعل لأجل المسامتة وحينئذ يتوجه الاشكال وأيضا فمركز الكواكب حال وصولها إلى خط نصف النهار أو دائرة الأفق يحصل له المماسة في آن واللامماسة في آن آخر فيلزم الاشكال لا يقال هذه الدوائر موجودة بالقوة لأنا نقول إنه متى حصل قائم على وجه الأرض حصلت هذه الدوائر بالفعل ثم إن نزلنا عن هذه النقوض ولكنا نقول انا منعنا هذه الدلالة على استحالة تتالى الآنات وفيه اشكال وهو أن عدم الآن اما أن يكون على التدريج أو دفعة والأول باطل والا لصار الآن زمانا وهو محال والثاني يقتضى أن يكون آن عدمه متصلا بآن وجوده فيلزم تتالى الآنات وإذا كان كذلك صح القول بتتالى الآنات وبطل الدليل المبنى على بطلانه وأجاب الشيخ في الشفاء بان قال قولكم عدم الآن اما أن يكون دفعة أو على التدريج تقسيم غير منحصر لان هناك قسم ثالث وهو أن يكون عدمه في جميع الزمان الذي بعده فلو قال السائل ليس البحث عن استمرار عدم ذلك الآن حتى يقال إنه في جميع الزمان الذي بعده بل عن ابتداء عدمه ومعلوم أن ذلك ليس في جميع الزمان الذي