فخر الدين الرازي
82
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ان قيل القوة المصورة مركبة من قوى كثيرة فلا يخلو اما أن يكون محل كل واحد من بسائطها هو عين محل الباقي واما أن يكون محل كل واحد من تلك البسائط غير محل الباقي والاوّل لا يخلو اما أن يكون اجتماع تلك القوى في المحل الواحد مانعا من تشكل ذلك لمحل تشكل الكرة أو لا يكون فإن كان مانعا لم يمكن القطع على أن شكل البسيط هو الكرة لاحتمال أن يحل فيه قوى يمنع اجتماعها من حصول الشكل لشكل الكرة وان لم يكن مانعا من ذلك عادما ذكرنا من أنه يجب أن يتشكل كل واحد من الاجزاء البسيطة لبدن الحيوان على شكل الكرة حتى يكون الحيوان مثل كرات متلاصفة وأما ان قيل محل كل جزء من أجزاء تلك القوة غير محل الجزء الآخر فهو يعود إلى أن كل واحد من الاجزاء ليس فيه الا قوة واحدة وحينئذ يعود الالزام فثبت أن القول بالقوة المصورة يمنع من القول بان القوة الواحدة تقتضى أن يكون شكل محلها كرة ولنرجع إلى شرح المتن أما قوله الجسم إذا خلى وطباعه ولم يعرض له من خارج تأثير غريب لم يكن له بد من وضع معين وشكل معين فاعلم أن المقصود منه ما ذكرناه في البحث الأول من الدلالة على أن لكل جسم قوة تقتضى له وضعا معينا ثم في اللفظ احترازات أحدها أنه قال إذا خلى وطباعه ولم يقل إذا خلى وطبيعته لان مقصوده من هذا الكلام اثبات المبدا المذكور لجميع الأجسام فلكية كانت أو عنصرية والأجسام الفلكية وان لم يكن لها طبيعة لكن لها طبائع والفرق بين الطبيعة والطبع مشهور وذلك أن الطبيعة تكون مبدأ لحركة ما هي فيه من غير شعور والطبع يكون مبدأ مطلقا سواء كان له شعور أو لم يكن فكان الطبع أعم من الطبيعة ولما كان الامر كذلك وكان الطبع ثابتا لجميع الأجسام لا جرم ذكر الطباع ولم يذكر الطبيعة حتى تكون الحجة التي ذكرها في اثبات مبدأ المذكور عامة وثانيها أنه قال ولم يعرض له من خارج تأثير غريب أراد بهذا ابطال ما يقوله المتكلون من أن اختصاص الأجسام احيازها انما كان لان الفاعل المختار يخصص كل واحد منها بحيز معين فان تخصيص المختار ذلك الجسم بذلك الحيز اما أن يكون مع كون ذلك الجسم مستحقا لذلك الحيز أو لا مع هذا الاستحقاق فإن كان الاوّل فقد حصل المطلوب وان كان الثاني كان ذلك التخصيص عارضا ممكن الزوال لان الاتفاقيات تكون ممكنة الزوال فإذا فرضنا انقطاع هذا التأثير الغريب عن الجسم وجب أن يبقى الجسم لا في الحيز وثالثها أنه قال لم يكن له بد من وضع معين لأنا بينا أن لكل جسم وضعا وليس لكل جسم موضعا فلما كان مقصوده اثبات المبدا المذكور لجميع الأجسام ذكر الوضع دون الموضع وأما قوله فإذا فيه مبدأ استيجاب ذلك فاعلم أن اثبات هذا يتوقف على بيان أن اختصاص كل جسم بوضعه وشكله المعينين ليس جسميته وهذه مقدمة بينة عند الشيخ وعلى أن ذلك ليس لامر خارج عن الجسم وذلك قد بطل بما فرض الشيخ الكلام في الجسم الذي انقطع التأثير الغريب عنه فلا جرم صحت هذه النتيجة وانما قال فيه مبدأ استيجاب ذلك ولم يقل فيه مبدأ ذلك لان ما كان مبدأ الشيء يستحيل عدم ذلك الشيء عند حصول ذلك لمبدإ لكن الجسم قد يخرج عن مكانه الطبيعي ويزول أيضا عنه شكله الطبيعي مع بقاء طبيعته فعلمنا أن الطبيعة ليست مبدأ للحصول في ذلك الحيز ولا لحصول ذلك الشكل بل هي لذاتها طالبة لان يحصل الجسم في ذلك المكان وان يتصف بذلك الشكل والاستيجاب عبارة عن طلب الوجوب ومعلوم أن تلك القوة أبدأ طالبة لتحصيل الجسم في ذلك المكان سواء كان حاصلا فيه أو لم يكن وأما قوله وللبسيط مكان واحد فالكلام في تقريره ما مر وأما قوله وللمركب ما يقتضيه الغالب فيه اما مطلقا واما بحسب مكانه أو ما اتفق وجوده فيه إذا تساوت المجاذبات عنه فكل جسم له مكان واحد فالمراد ما قد مرّ وأما قوله ويجب أن يكون الشكل الذي يقتضيه البسيط مستديرا والا لاختلفت هيئته في مادة واحدة عن قوة واحدة فالكلام فيه أيضا قد ظهر * ( تنبيه [ في إثبات الميل وبيان أحواله ] الجسم له في حال تحركه ميل يتحرك به ويحس به الممانع وان لم يمكن من المنع الا فيما يضعف ذلك فيه